ليلة "دزفول" الدامية.. قنّاصة الحرس الثوري الإيراني قتلوا المدنيين العزّل بلا رحمة

تُظهر الروايات الواردة عن قمع احتجاجات مدينة دزفول، جنوب غرب إيران، في ليلتي 8 و9 يناير (كانون الثاني) أن سلطات النظام كانت قد خططت مسبقًا لقتل المتظاهرين.

تُظهر الروايات الواردة عن قمع احتجاجات مدينة دزفول، جنوب غرب إيران، في ليلتي 8 و9 يناير (كانون الثاني) أن سلطات النظام كانت قد خططت مسبقًا لقتل المتظاهرين.
وبحسب هذه الشهادات والأدلة المصوّرة المنشورة، فإن القمع في الليلة الثانية بلغ حدًا جعل أحد المتظاهرين يقول: "كان عناصر الأمن يحاولون قتل أكبر عدد ممكن".
وروى هذا المتظاهر، الذي فقد عددًا من أصدقائه وأقاربه نتيجة إطلاق النار المباشر من قِبل قوات الحرس الثوري خلال قمع الاحتجاجات في دزفول وأنديمشك، لـ "إيران إنترناشيونال"، مشاهداته عن المجزرة الواسعة بحق المواطنين.
وبحسب روايته، فقد خرج مساء الخميس 8 يناير أكثر من 200 ألف شخص إلى شوارع دزفول، أي ما يزيد على ثلث سكان المدينة البالغ عددهم نحو 600 ألف نسمة، وهم يهتفون ضد النظام وديكتاتورية خامنئي، ويعلنون دعمهم لآل بهلوي. ويقول إن القوات الموجودة في الشوارع في تلك الليلة، باستثناء عدد محدود من عناصر الباسيج، كانت في معظمها من الشرطة، ولم تُبدِ مقاومة تُذكر في مواجهة المتظاهرين.
لكن، وفقًا للشاهد، كان عناصر الباسيج عازمين على المواجهة ويبحثون عن ذريعة لبدء القمع. وأضاف: "في دزفول مقام ديني يُدعى إمام زاده سبزقبا، وقد أقدم عناصر الباسيج على إحراقه. صحيح أن ذلك لم يؤدِ في تلك الليلة إلى المجزرة، لكنهم الآن يريدون إعدام شخصين، من بينهما مهدي كوليوند، بذريعة حرق هذا المقام".
وليلة الخميس، أمام قاعدة للباسيج في حي سياه بوشان، قرب دائرة "الأمر بالمعروف" وخلف بنك صادرات، قُتل محمد إسماعيلي برصاص أحد عناصر الباسيج ويدعى مجيد شيخ ليوسي، الذي أطلق النار عليه من سطح القاعدة. ويقول الشاهد: "كان هناك شخص بين المتظاهرين، لكنه في الحقيقة عنصر من الحرس، يكرر دعوة الناس للتقدم والسيطرة على دائرة الأمر بالمعروف. وحذرت أنا وعدد من الشباب من أنه تابع لهم، لكن الحشد لم يستمع".
ومع اقتراب المتظاهرين من المكان، بدأت قوات الأمن و"الباسيج" بإطلاق النار، ما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص بالرصاص المطاطي. ويضيف الشاهد: "أنا نفسي أُصبت، وأُصيب أحد أصدقائي في عينه وفقد بصره. وعلى بعد نحو 30 مترًا مني، أصابت رصاصة قلب محمد فسقط قتيلاً في المكان".
غيّروا وجه القمع في 9 يناير
في اليوم التالي، مساء الجمعة 9 يناير (كانون الثاني)، تغيّر المشهد بالكامل. إذ يقول الشاهد إنه قرابة الساعة الخامسة مساءً رأى أعدادًا كبيرة من مسلّحين ملثمين، طوال القامة وأقوياء البنية، يرتدون الأسود ويقودون دراجات نارية في شارع الخميني الرئيس، وكلهم يحملون حقائب ظهر.
وقبل الساعة الثامنة مساءً، فُرض طوق أمني كامل على شارع الخميني، ومنع أي مرور فيه. ويضيف: "توجهنا إلى شارع قاضي، حيث كان هناك نحو 200 شخص دون هتافات، ثم ارتفع العدد إلى ما بين 800 و900 شخص وبدأت الهتافات".
في هذه اللحظة، بحسب الشاهد، بدأت طلقات متفرقة من قِبل قوات الأمن، بينما كان أحد الأشخاص وسط الحشد يصرخ: "الطلقات فارغة، لا تخافوا، تقدّموا". ومع تقدم المتظاهرين وتكاثفهم، بدأت المجزرة الكبرى.
ويقول الشاهد إن ثلاثة أشخاص قُتلوا فورًا في الدقائق الأولى، بعدما تمركز القنّاصة فوق مبنى غير مكتمل ت عود ملكيته لشخص يُدعى حسن سياه بوش. وأضاف أن عناصر الحرس بدأوا القتل حتى قبل تجمع الناس، إذ حاول حارس المبنى، وهو رجل مسن من سكان الحي، منع القنّاصة من الدخول، لكن أحد المسلحين أطلق النار على رأسه وقتله.
القنّاصة قتلوا بلا هوادة
ومع مرور الوقت، تصاعدت حدة إطلاق النار، وكان القتل يتم عبر استهداف الرؤوس مباشرة. ويقول الشاهد: "كثيرون قُتلوا. كنا نسحب الجثث إلى الأزقة المجاورة، والناس كانوا يفتحون أبواب منازلهم للمساعدة، كما كانت هناك سيارات تنقل الجرحى والجثامين إلى المستشفى".
ويذكر أن جثمان أحد الضحايا، ويدعى مهدي حاجي وند رحيمي، بقي ملقى على الأرض قرب المبنى، ما دفع مجموعة من الشبان لمحاولة انتشاله رغم علمهم بأن القنّاصة يترصدونهم. وأضاف: "نجحنا في سحب جثمان مهدي، لكن اثنين آخرين قُتلا برصاص القنّاصة أثناء المحاولة".
كما روى مقتل صديقه حميد شاكريان، الذي أصيب برصاصة دقيقة خلف الأذن أودت بحياته على الفور، ثم أطلق عناصر الحرس النار عليه مرة أخرى رغم وضوح وفاته. وكان حميد من مواليد 1985، متزوجًا، ويعول ثلاث بنات صغيرات.
المستشفى غارق في الدم
يقول الشاهد، وهو من أقارب وأصدقاء الضحايا: "أقسم بملابس العزاء التي أرتديها، حتى اللحظة التي نقلت فيها حميد، رأيت بعيني نقل ما بين 80 و90 جثمانًا إلى المستشفى. ولم يكن القنّاصة وحدهم من يطلقون النار، بل كان عناصر الحرس الثوري في الشوارع يطلقون النار عشوائيًا. وبعد مغادرتي، قُتل 20 إلى 30 شخصًا آخرين. وهذا في شارع واحد فقط من دزفول. في هذه المدينة قتلوا ما لا يقل عن 300 شخص".
ويضيف: "نُقلت الجثامين إلى مستشفى غنجويان، ثم وُضعت تحت سيطرة الأجهزة الأمنية. وعندما راجعت العائلات المستشفى في اليوم التالي، أُبلغت بأن الجثث تحت سيطرة الأمن، وأُجبرت على مراجعة دائرة الاستخبارات، حيث تعرضت للكذب والضغط النفسي".
وبعد أيام، تم إبلاغ عائلة حميد بأن عليهـم التوقيع على تعهد يفيد بأن ابنهم كان عنصرًا في "الباسيج" وأن مقتله يعود إلى جماعة "بيجاك"، مقابل تسليم الجثمان واعتباره "شهيدًا". لكن العائلة رفضت هذا السيناريو.
وبحسب الشاهد، اشتدت الضغوط الأمنية، وهددت الأجهزة الأمنية باعتقال شقيقي حميد. وبعد ستة أيام، سُمح بدفن الجثمان ليلاً وبحضور محدود وتحت رقابة مشددة من عناصر الاستخبارات، بعد التعرف عليه من خلال وشم على كتفه.
ويؤكد الشاهد أن "دزفول" لا تزال تعيش حالة شبه عسكرية، مع مداهمات ليلية واعتقالات عنيفة، وأن القمع امتد حتى إلى مراسم العزاء، حيث أُطلق الرصاص على والد أحد الضحايا أمام أعين المعزين.
ويختم التقرير بالإشارة إلى أن شاهدًا آخر من دزفول وصف ما جرى مساء الجمعة 9 يناير بأنه "جريمة لا يمكن للكلمات وصفها"، مؤكدًا أن قوات الحرس البري، بزي عسكري كامل وأسلحة كلاشينكوف، إضافة إلى قنّاصة متمركزين فوق المباني العالية، أطلقوا النار مباشرة على رؤوس المتظاهرين وقتلوا أكبر عدد ممكن من الناس.