إن طرح سؤال عن شرعية النظام الإيراني لم يعد ممكنًا في إطار نقاش نظري أو اختلاف سياسي. فما يحدث اليوم في إيران، من قتل منظم للمتظاهرين واعتقالات واسعة إلى التعذيب والاغتصاب في السجون، وانقطاع الإنترنت على نطاق واسع ورفض كامل للمحاسبة، يظهر أن القضية تجاوزت «أزمة الشرعية» ووصلت إلى مرحلة تم فيها استبعاد مفهوم الشرعية من منطق الحكم تمامًا.
هذا الوضع ليس نتاج فوضى أو خطأ في الحسابات، بل هو نتيجة اختيار واعٍ: اختيار النظام الاستمرار في البقاء دون رضا المجتمع.
الشرعية في النظرية السياسية ومكانتها في السنوات الأولى للنظام الإيراني
في الفهم الكلاسيكي للعلوم السياسية، تُشير الشرعية إلى قبول السلطة طواعية من قِبل قبل المواطنين؛ أي أن الناس يعتبرون للحكومة الحق في الحكم حتى وإن كانوا غير راضين عنها. يمكن أن يستمد هذا القبول من مصادر مختلفة: القانون والانتخابات، الأيديولوجيا والمعتقدات المشتركة، الكفاءة الاقتصادية والأمنية، أو على الأقل الامتناع عن العنف الجامح.
وخلال العقود الأولى من عمره، سعى النظام الإيراني إلى الحفاظ بشكل ما على مزيج من هذه المصادر. حتى في فترات القمع الشديد، أُجريت الانتخابات، وُضعت الروايات الرسمية، وحاولت الحكومة أن تُظهر أنها لا تزال في حوار مع المجتمع.
يبدو أن تلك المراحل قد انتهت الآن. اليوم، النظام لا يحاول إقناع الرأي العام، بل لا يعتبر المجتمع حتى طرفًا يُخاطب. قتل المراهقين والنساء والمارة العزل لا يقابله اعتذار، ولا تحقيق مستقل، ولا حتى رواية موحدة.
نهاية عرض المساءلة والإزالة الكاملة لعبارة المسؤولية
يجب فهم هذا التحول في إطار التغيير في منطق بقاء النظام. فقد انتقل النظام الإيراني خلال السنوات الأخيرة من نظام أيديولوجي يعتمد على التعبئة الجماهيرية إلى هيكل أمني-عسكري. في هذا النموذج الجديد، بقاء السلطة لا يعتمد على رضا الجمهور، بل على تماسك قوات القمع وولاء الدوائر الضيقة للسلطة والسيطرة على المعلومات.
الشرعية، التي كانت تُعد في السابق رأس مال سياسيًا، أصبحت الآن عبئًا وربما خطرًا، إذ إن أي محاولة لإعادة بنائها تتطلب الشفافية والتراجع وتحمل المسؤولية، وهي أمور يمكن أن تضعف السلطة الأمنية.
انقطاع الإنترنت وقمع الحقيقة كعلامة على الفجوة بين الحكومة والمجتمع
انقطاع الإنترنت، وقمع الإعلام وتجريم التعبير عن الواقع، كلها تفسيرات في هذا السياق. هذه الإجراءات ليست مجرد أدوات أمنية للسيطرة على الاحتجاجات، بل هي أيضًا علامات على الانفصال التام بين النظام والمجتمع. نظام يحتاج إلى الشرعية، حتى في القمع، مضطر لتوضيح وتبرير أفعاله. أما الحكومة التي تجاوزت الشرعية، ففضلت ألا ترى، ولا تسمع، ولا ترد.
تآكل القاعدة الاجتماعية وفقدان معنى إعادة إنتاج الشرعية
عامل مهم آخر هو وعي السلطة بتآكل قاعدتها الاجتماعية بشكل عميق. فالنظام يعلم أن جزءًا كبيرًا من المجتمع لا يؤمن بالأيديولوجيا ولا يعلق أملًا على الإصلاح الداخلي، لا يرى سببًا للحفاظ على عرض الشرعية. الانتخابات والوعود والروايات الرسمية في هذه الظروف ليست أدوات لترسيخ السلطة، بل مرآة للفجوة العميقة بين الحكومة والمجتمع. لذلك، فإن التخلي الكامل عن هذا العرض يبدو أقل كلفة وأكثر «واقعية» للحكومة.
تجربة عقود من القمع بلا عواقب
تجربة عدة عقود من القمع بلا نتائج فعلية لعبت دورًا حاسمًا. كل مرة يُمارس فيها العنف الصريح دون تدخل دولي فعال أو تأثير كبير على السلطة، تعزز لدى النظام فكرة أن تكلفة القمع أقل من تكلفة الإصلاح. في هذا المنطق، لا يُنظر إلى المساءلة على أنها دليل على عقلانية، بل على ضعف. والنتيجة: تحوّل العنف إلى قاعدة حكم وليس استثناء.
تحول الأيديولوجيا: من إنتاج المعنى إلى تبرير الإقصاء
الأيديولوجيا الرسمية أيضًا تحولت في هذه العملية. المصطلحات التي كانت تُستخدم لإنتاج المعنى والشرعية مثل الدين والعدالة والثورة، أصبحت أدوات فقهية وقانونية لإقصاء المعارضين، وكلمات مثل «محاربة» و«بغي» حلت محل أي حجة سياسية. النظام لم بعد يحاول الظهور عادلًا أو أخلاقيًا.. الرسالة الرئيسة واضحة: «لدينا السلطة ونطبقها».
هذه هي النقطة التي يحل فيها الحكم القائم على الرضا محل الحكم المبني على الخوف.
العواقب الهيكلية للحكم بلا شرعية
مع ذلك، تجاوز الشرعية بشكل واعٍ، رغم أنه قد يضمن بقاء السلطة على المدى القصير، إلا أنه يحمل عواقب هيكلية عميقة. ولاء القوات في مثل هذا النظام ليس قائمًا على الإيمان، بل على المصلحة والخوف، لذا فهو هش. القانون، الذي يقلص دوره إلى أداة للقمع فقط، يفقد مصداقيته في المجتمع، وأي إمكانية للإصلاح السلمي تُغلق. في هذه الحالة، تُوجه المطالب الاجتماعية إلى طرق أكثر راديكالية ومكلفة.
الرضا مقابل الخوف والبقاء
بعبارة أبسط، تحكم الحكومات إما بالرضا أو بالخوف. الرضا مكلف ويستغرق وقتًا لكنه أكثر استدامة، أما الخوف سريع وعنيف لكنه هش. عندما يصل الحكم إلى استنتاج أن الرضا لم يعد ممكنًا، فإنه بطبيعة الحال يعتمد على الخوف. تجاوز الشرعية يعني بالضبط هذا التبديل: استبدال الرضا بالإكراه، والسياسة بالعنف.
المسألة في إيران اليوم ليست مجرد فقدان الشرعية، بل إقامة نظام لم يعد يحتاج للشرعية. هذا الوضع ليس علامة قوة، بل علامة خوف: خوف من مجتمع لم يعد يخدع، ولا يقنع، ولا يعود إلى الوراء.
ورغم أن العنف يحل محل السياسة والبقاء يحل محل الحكم، فإن التاريخ أظهر أن الأنظمة التي تتجاوز الشرعية عن قصد قد تبقى بالقوة لفترة، لكنها لا مستقبل لها.