إن الإشادة بـ "بركات العقوبات" إعلان رسمي عن "تطبيع الفقر"؛ أي حالة لا تعود فيها العقوبات "أزمة قابلة للحل"، بل تتحول إلى أرضية ضرورية لبقاء طبقة ارتبطت مصالحها بتطبيع الأوضاع غير الطبيعية.
ما يُسمَع اليوم على ألسنة المسؤولين هو إعلان رسمي عن "تطبيع الفقر"؛ ووضع تصبح فيه العقوبات ليست "أزمة قابلة للحل"، بل باتت شرطًا لازمًا لحياة طبقة ربطت مصالحها بعَادية الظروف الاستثنائية.
في مطلع القرن العشرين، نشطت في الولايات المتحدة حركات دينية وأخلاقية ضد استهلاك الكحول. وكانت ترى في الكحول جذر الفقر والعنف والانحلال الأخلاقي. وأدّى ضغط هذه الجماعات في نهاية المطاف إلى إقرار "التعديل الثامن عشر للدستور"، الذي حظر إنتاج الكحول وبيعه ونقله بين عامي 1920 و1933 في أنحاء الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق التاريخي، لعب الوعّاظ والجماعات الدينية دورًا محوريًا، إذ مارسوا ضغوطًا على السياسيين عبر التظاهرات والوعظ في الكنائس، ومنحوا هذا القانون شرعية أخلاقية.
ولكن مع حظر الكحول، لم يختفِ الطلب، بل انتقل إلى السوق السوداء، ما أدى إلى ظهور طبقة من مهربي الكحول، كان أشهرهم "آل كابوني".
وحين كان الكحول قانونيًا، كانت هوامش الربح عادية، وتُفرض عليه الضرائب، وكانت الشركات القانونية تتنافس في إنتاجه وتوزيعه. غير أن الحظر أدّى إلى ارتفاع الأسعار، كما أن السلعة المحظورة لم تعد خاضعة للضرائب، فتضاعفت هوامش الربح في إنتاج الكحول وبيعه عدة مرات.
وفي عام 1983، تناول الاقتصادي بروس ياندل هذه المرحلة التاريخية في مقاله الشهير "المهربون والوعّاظ"، وشرح كيف أن الوعّاظ الدينيين ومهربي الكحول، رغم اختلاف دوافعهم، انتهوا إلى هدف مشترك: الفريق الأول بدافع الخلاص الأخلاقي، والفريق الثاني بدافع ملء الجيوب، كلاهما أراد استمرار الحظر والقيود.
وقد انبثقت "نظرية ياندل" من حقيقة تاريخية مفادها أن إقرار بنية قانونية معدومة الكفاءة والحفاظ عليها يتطلب دائمًا تحالفًا خفيًا: مجموعة تسعى لإقناع الناس بلغة الأخلاق ومنح البنية عديمة الكفاءة شرعية، ومجموعة أخرى تدعم تلك البنية من وراء الكواليس بالمال والقوة.
وإذا وضعنا تصريحات عباس عراقجي عن "بركات العقوبات" في إطار نظرية ياندل، تتضح الصورة بالكامل، مع فارق واحد: في النظام الإيراني، كثير من وعّاظ العقوبات هم أيضًا مستفيدون منها.
والسؤال هنا: ما هي هذه "البركات" اقتصاديًا ولصالح أي فئات؟
العقوبات بطبيعتها تخلق ندرة مصطنعة وأنظمة متعددة الأسعار. والفارق بين الريوع الحكومية والسعر الحقيقي يُوزّع بين المرتبطين بالسلطة.
وبذلك، يصبح تحديد الرابحين والخاسرين في النشاط الاقتصادي أكثر فأكثر مرهونًا بإرادة النظام.
وعندما تغادر الشركات الدولية إيران، تختفي المنافسة، وتتحول الشركات شبه الحكومية أو التابعة للسلطة إلى اللاعبين الوحيدين المسموح لهم بالاستيراد والإنتاج.
وبذريعة العقوبات والحرب الاقتصادية والأمن، يُخفّض مستوى الشفافية عمدًا، وتُصنّف المعلومات الاقتصادية كأسرار. ويُحتكر الوصول إلى القنوات المالية والتجارية من قِبل الموثوقين والموالين، ما يؤدي إلى القضاء على القطاع الخاص المستقل وروح المبادرة.
وترفع العقوبات كلفة التبادل في التجارة الخارجية، ويُحرَم البلد من الوصول إلى الشبكات المصرفية والائتمانية الدولية. وفي المقابل، تسيطر شبكة من الصرافين والشركات الوهمية والوسطاء على الاقتصاد تحت الأرض.
ويقتطع هؤلاء الوسطاء نسبة من كل معاملة تحت مسمى كلفة المخاطر أو كلفة الالتفاف على العقوبات. وهذه الكلفة الهائلة تُحمَّل في نهاية المطاف على المستهلك، أو تُدفع من جيوب الإيرانيين عبر الريوع الحكومية.
وفي ظل العقوبات، ترتفع مخاطر الاستثمار. فيغادر المستثمر الأجنبي والقطاع الخاص الحقيقي، غير القادرين على تحمّل هذه المخاطر. في المقابل، تملأ المؤسسات العسكرية وشبه الحكومية، التي تمتلك النفوذ السياسي والأمني، هذا الفراغ، وتنقل كلفة المخاطر إلى المجتمع.
ومع مرور الوقت، تهيمن هذه المؤسسات على كامل سلسلة التوريد في الاقتصاد، ويصبح بقاء إمبراطورياتها الاقتصادية مرهونًا باستمرار الأوضاع الأمنية والحربية.
وفي المحصلة، أفضت العقوبات في إيران إلى ظهور "مستفيد مؤسسي" من استمرار الأزمة. طبقة جديدة تدين بثروتها لانعدام الشفافية، والريع المرتبط بالعملة، والاحتكار الناتج عن العزلة. ولذلك، يواجه أي مسعى لرفع العقوبات مقاومةً شرسة من هذه الطبقة القوية.