هذه الحرب الصامتة والمستمرة والمكلفة للغاية هي «الحرب السيبرانية».
وقد أعاد تقرير حديث لمجلة "نيويوركر" تسليط الضوء على أبعاد هذا التهديد، الذي لا يستهدف الحكومات فقط، بل يطال مباشرة حياة المواطنين اليومية في مختلف أنحاء العالم.
فمن شبكات المياه في المدن إلى المستشفيات ومحطات الطاقة والمطارات وأنظمة النقل، جميعها يمكن أن تصبح أهدافًا لهجمات إلكترونية مرتبطة بالجمهورية الإسلامية.
وبحسب تحذير رسمي صادر عن وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية (CISA)، فإن مجموعات مرتبطة بالنظام الإيراني تمكنت من الوصول إلى أنظمة التحكم الصناعي في الولايات المتحدة المعروفة باسم "PLC"، وهي الحواسيب الصغيرة التي تتحكم في تشغيل البنى التحتية الحيوية، مثل محطات معالجة المياه وشبكات الكهرباء ومنشآت الطاقة وحتى بعض الخدمات البلدية في عدة ولايات أميركية.
وهذه المسألة ليست مجرد تحذير تقني، بل تعني أن النظام الإيراني مستعد، من أجل الضغط السياسي والأمني، لتعطيل الحياة اليومية للناس في الجانب الآخر من العالم دون إطلاق رصاصة واحدة.
ويعتمد النظام الإيراني منذ سنوات على مبدأ «إلحاق الكلفة بالعدو» في سياسته الخارجية. ويمكن رؤية هذا النهج في دعمه للقوات بالوكالة، والعمليات الخارجية، واحتجاز الدبلوماسيين كرهائن، والآن في الحرب السيبرانية. والاختلاف هنا أن تكلفة الهجوم في الفضاء الإلكتروني أقل بكثير، وإمكانية إنكار المسؤولية أكبر بكثير.
وعلى عكس الصورة السينمائية للهجمات الإلكترونية التي تؤدي إلى انقطاع كامل في دولة ما، فإن استراتيجية إيران تعتمد غالبًا على إحداث اضطرابات تدريجية، وبث الخوف النفسي، وتآكل ثقة الجمهور.
فالهجوم على مستشفى لتعطيل نظام تسجيل المرضى، أو اختراق شبكة المياه، أو التسبب باضطرابات في المطارات، قد لا يشكل عنوانًا لحرب عالمية، لكنه يمكن أن يهدد بشكل خطير أمن الناس اليومي.
ومن بين المجموعات التي أشار إليها التقرير مجموعة «سيدورم» أو "MuddyWater"، وهي مجموعة يُعتقد أنها مرتبطة بوزارة الاستخبارات الإيرانية، وقد نفذت هجمات إلكترونية ضد أهداف في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط.
كما تُصنَّف مجموعة أخرى تُعرف باسم «هندالا» كذراع غير رسمية للعمليات السيبرانية الإيرانية، ما يسمح للنظام بالهجوم مع إنكار المسؤولية المباشرة.
وهذا الهيكل الرمادي يُعد أحد أخطر سمات الحرب السيبرانية الإيرانية، إذ يمكن لطهران استهداف بنى تحتية لدول أخرى، وفي الوقت نفسه نسب الهجمات إلى مجموعات مجهولة أو «هاكرز مستقلين»، وهو نفس النموذج الذي استخدمته إيران في دعم الميليشيات الإقليمية.
السؤال الأهم: لماذا تستثمر إيران بهذا الشكل الكبير في الحرب السيبرانية؟
الإجابة واضحة: لأنها غير قادرة في العديد من المجالات العسكرية والاقتصادية على منافسة القوى الكبرى مباشرة.
فالاقتصاد المنهك، والبنية التحتية الداخلية المتدهورة، والاحتجاجات الاجتماعية، والعزلة الدولية، كلها عوامل دفعت النظام إلى تبني أدوات غير تقليدية. والهجمات السيبرانية تُعد وسيلة منخفضة التكلفة وفعّالة وقابلة للإنكار.
والأمر الأكثر إيلامًا أن النظام الذي ينفق مليارات الدولارات على العمليات الخارجية، والشبكات السيبرانية، والجماعات الوكيلة، يعجز أو يتجاهل في الداخل توفير أبسط متطلبات الأمن الرقمي للمواطنين.
إذ يعيش الإيرانيون منذ سنوات في ظل رؤية أمنية تعتبر الإنترنت أداة للسيطرة لا حقًا مدنيًا، مع انتشار الرقابة، وحجب الإنترنت خلال الاحتجاجات، والمراقبة الواسعة، والاعتداء على الخصوصية.
وفي هذا السياق، تثير نيويوركر أيضًا مخاوف من ضعف جاهزية الولايات المتحدة لمواجهة هذا النوع من التهديدات، خاصة مع خفض بعض ميزانيات الأمن السيبراني، ما قد يزيد من هشاشة البنية التحتية الأمريكية.
ويشير التقرير إلى أن التهديد السيبراني الإيراني لم يعد مسألة إقليمية، بل أصبح جزءًا من الأمن القومي الغربي.
والأهم أن إيران لا تحتاج إلى تدمير دولة بالكامل لتحقيق أهدافها، بل يكفيها تقويض الثقة العامة، ورفع تكاليف الحماية، وخلق شعور دائم بعدم الاستقرار.
وفي النهاية، فإن ما تصدره الجمهورية الإسلامية ليس النفط أو الأزمة النووية أو التوترات الإقليمية فقط، بل عدم الاستقرار نفسه.
ومن شوارع طهران إلى شبكات المياه في المدن الأمريكية، ومن القمع الداخلي إلى الهجمات الإلكترونية الخارجية، يظهر نمط واحد: نظام يرى بقاءه في صناعة الأزمات والتهديد لا في التنمية والازدهار.
الحرب السيبرانية الإيرانية قد تكون صامتة، لكنها قد تكون مكلفة في آثارها ومدمرة مثل أي حرب أخرى، وربما أكثر.