كانت محافظة خراسان الشمالية، التي يزيد عدد سكانها على 900 ألف نسمة، وتضم نسيجًا سكانيًا متنوعًا من قوميات مختلفة، من بينها الأكراد الكرمانج والترك والفرس والتات والتركمان، قد شهدت بدء الاحتجاجات قبل نحو أسبوع من يومي 8 و9 يناير 2026.
وتواجه المحافظة أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، من بينها انتشار الأحياء العشوائية بين نحو ثلث السكان، وارتفاع معدلات الطلاق، إلى جانب تراجع الثقة بالحكم والمشاركة السياسية خلال العقدين الماضيين.
وانخفضت نسبة المشاركة الانتخابية في خراسان الشمالية من نحو 85 في المائة عام 2009 إلى أقل من 50 في المائة.
وتشير المعلومات، التي وصلت إلى «إيران إنترناشيونال»، بشأن قمع الاحتجاجات في خراسان الشمالية إلى أنه جرى استخدام المساجد والحسينيات ومراكز دينية أخرى في "بجنورد" لإيواء القوات، وتنظيم عناصر بملابس مدنية، والتعرف على المحتجين.
وفي شهر يناير الماضي، وبالتزامن مع تشكل موجة الاحتجاجات، شهدت ست مدن مختلفة في المحافظة، هي بجنورد وإسفراين وشيروان وغَرمه وجاجَرْم ومانه وسملقان، تجمعات للمواطنين.
وتشكّل هذه المدن غالبية سكان المحافظة ونحو ثلثي مساحتها.
وبدأ المحتجون، اعتبارًا من 1 يناير 2026، في هذه التجمعات بترديد شعارات مناهضة للنظام، ودعم ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، وبلغت الاحتجاجات ذروتها مع دعوته في يومي 8 و9 يناير.
ومنذ الأيام الأولى، رافق رد الأجهزة الأمنية في هذه المدن انتشار قوات الشرطة وعناصر بملابس مدنية ووحدات خاصة.
وتظهر مقاطع فيديو وصلت إلى «إيران إنترناشيونال» أن السلطات لجأت منذ الأيام الأولى إلى القتل وإطلاق النار المباشر على المواطنين لقمع الاحتجاجات.
شبكة شبه عسكرية ودينية منظمة
تشير مراجعة روايات أشخاص مطلعين وشهود عيان على عمليات القمع إلى أن عملية التعرف على المحتجين ومواجهتهم في بجنورد لم تعتمد فقط على القوات الرسمية، بل استندت أيضًا إلى شبكة شبه عسكرية ودينية منظمة.
وفي قلب هذا الهيكل، لعبت مؤسسات دينية محلية وحسينية واحدة على الأقل دورًا كمكان لتنظيم عناصر بملابس مدنية وإيوائهم.
وفي هذا السياق، برز بوضوح، وفق الروايات، دور شقيقين هما حميد ومحمود نظم بجنوردي بوصفهما من أبرز رؤوس هذه الشبكة.
وكان حميد نظم بجنوردي مساعدًا لمحافظ بجنورد في حكومة إبراهيم رئيسي، وله سوابق في نشر مقالات حول الأبعاد الأمنية للأزمة الاقتصادية.
كما عمل محمود نظم بجنوردي وتعاون مع معسكرات "الباسيج" ومراكز الحماية والاختيار الأمني.
وبحسب أشخاص مطلعين، تعود جذور أنشطة هذه الشبكة الدينية وتنظيمها إلى ما بعد انتخابات عام 2009، إلا أن تماسكها وأنشطتها الهجومية تصاعدت منذ عام 2022، لتتحول إلى وحدة مستقلة تمامًا وتعمل بصورة ذاتية.
وتضم هذه الشبكة أكثر من 30 شخصًا، وكان أفرادها، باستثناء الأخوين نظم بجنوردي، يرتدون الأقنعة والقمصان السوداء، ويستخدمون الدراجات النارية والهراوات والأسلحة النارية والأصفاد الخاصة بهم، وينفذون عمليات قمع في الطرق الرئيسية التي شهدت الاحتجاجات الشعبية.
وقال شخص مطلع إن محمود نظم بجنوردي حصل على وظيفة في جامعة علوم الطب في خراسان الشمالية من خلال علاقته بأحد ممثلي بجنورد في البرلمان.
وكانت هذه المجموعة القمعية، بالتنسيق مع عناصر «الحوثيين» في بجنورد، تتولى مهمة الضرب المبرح للمحتجين والتعرف عليهم.
كما شارك حميد نظم بجنوردي في قمع المواطنين، ولا سيما في المناطق القريبة من مبنى المحافظة، الذي كان أحد المراكز الرئيسية للاحتجاجات وإطلاق النار على المواطنين.
أساليب اختراق الشبكة الدينية ومراقبتها وتنظيمها
قال شهود عيان على الاحتجاجات إن هذه الشبكة الدينية والأمنية استخدمت أساليب معقدة للإيقاع بالمحتجين.
وكان عناصر بملابس مدنية حاضرين بين المتجمعين أو يتنكرون في مسيرات وهمية، ويستخدمون مواد ملونة مخفية لوضع علامات على ملابس المحتجين، بحيث يسهل التعرف عليهم واعتقالهم في الأزقة الفرعية أثناء هجوم راكبي الدراجات النارية.
إضافة إلى ذلك، وبالتعاون مع مسؤولي الإدارات المعنية، ومن بينها شركة الاتصالات في المحافظة، جرى وضع بيانات وصور كاميرات المراقبة في المدن بشكل مباشر تحت تصرف الأجهزة الأمنية لمراقبة حركة التنقل.
وورد اسم مدير الاتصالات في خراسان الشمالية، حسن دهقاني مقدم، في سياق التعاون مع الأجهزة الأمنية للتعرف على الأشخاص من خلال الكاميرات.
كما استُخدمت المسيّرات لمراقبة التجمعات من الجو وإغلاق طرق الخروج، في إطار إجراءات أخرى للسيطرة على الاحتجاجات.
القمع في مناطق أخرى من المحافظة
لم تقتصر أعمال العنف في التعامل مع الاحتجاجات في خراسان الشمالية على مركز المحافظة، إذ شهدت المدن الأخرى أيضًا أشكالًا مختلفة من القمع.
وفي إسفراين، رافقت المواجهات عمليات إطلاق نار مباشر من قوات الحرس الثوري والوحدات المنتشرة، باستخدام أسلحة حربية ورشاشات من فوق المباني، ما أدى، وفق مصادر محلية وكوادر طبية، إلى مقتل عشرات الأشخاص.
وفي هذا السياق، تعرض أيضًا سائقو الجرارات وسيارات الإطفاء الذين كانوا يحاولون فتح الطريق أمام مركز الشرطة لإطلاق نار مباشر.
وكان إخفاء الجثامين وابتزاز العائلات ماليًا من بين الجوانب الأخرى لعمليات القمع، إذ نُقلت جثامين القتلى بواسطة شاحنات وحافلات من المراكز الطبية إلى بجنورد، وطالبت المؤسسات الحكومية بمبالغ تراوحت بين مليار وملياري تومان لتسليم كل جثمان.
كما مارست السلطات ضغوطًا على العائلات لتعريف القتلى بأنهم «من عناصر الباسيج».
وفي مدينة شيروان، قامت قوات الوحدات الخاصة بإخلاء العاملين في المركز الصحي وتحويله إلى مقر إقامة دائم لها، كما نفذت استعراضات في أنحاء المدينة وحطمت واجهات المتاجر بهدف بث الرعب والخوف.
وبالتزامن مع فرض أجواء أمنية مشددة وحالة من الأحكام العرفية، تجنب المصابون التوجه إلى المستشفيات، بينما بادر الأطباء والممرضون، من خلال إنشاء شبكات علاج سرية ومنزلية، إلى مساعدة المواطنين؛ وهو إجراء رافقه التعرف على أفراد الطواقم الطبية واعتقالهم.