لقد استفاد النظام الإيراني، منذ مرحلة “الأطفال الجنود” وحتى اليوم، من المراهقين لإضفاء الشرعية على خلق أجواء الحرب، كما يستفيد من الأطفال القتلى في الدعاية الإعلامية.
في ثمانينيات القرن الماضي، كانوا يضعون “مفتاح الجنة” البلاستيكي حول أعناق الأطفال الجنود ويرسلونهم إلى حقول الألغام، واليوم يشجعون المراهقين على الوقوف في نقاط التفتيش في الشوارع. كما يعيدون إنتاج صورة الطلاب، الذين قُتلوا في "ميناب"، إثر هجوم صاروخي في جداريات "مشهد"، وفي العروض المسرحية، وفي الكتب المدرسية، وفي ألعاب الفيديو تحت عنوان “شهداء طريق الله”.
وفي كل هذه الروايات، كان الأطفال دائمًا من أدوات الدعاية للنظام الإيراني: الطفل في خدمة الحرب.
وفي هذه الأيام، وبينما ما زالت آثار الحرب الثقيلة تخيّم على المدن الإيرانية، ينظم المعهد الوطني لتطوير الألعاب، التابع لمؤسسة الألعاب الحاسوبية الوطنية، أول “جيم فيديو” له هذا العام تحت عنوان “الطفل والحرب”.
وقد طُلب من مطوري الألعاب تقديم تجربة الحرب والطفولة في قالب لعبة فيديو.
وهذا هو أحدث حلقة في سلسلة طويلة حوّل فيها النظام الإيراني الأطفال إلى مادة خام لإضفاء الشرعية على الحرب.
مفتاح الجنة البلاستيكي
عند النظر إلى نموذج الحكم في إيران، نرى أنه منذ السنوات الأولى بعد الثورة تم استخدام الأطفال كأداة. وهو نموذج وصل إلى أقصى درجاته خلال الحرب العراقية- الإيرانية في الثمانينيات.
وتحولت المدارس إلى ملحق للجبهة. كل أسبوع كانت تُوزع على الطلاب حصالات بلاستيكية على شكل قنابل يدوية، وفي الأسبوع التالي تعاد ممتلئة بالعملات والأوراق النقدية.
ولم يكن شكل الحصالة عشوائيًا؛ أول صورة أراد النظام ربطها بالطفولة كانت القنبلة اليدوية. وفي الوقت نفسه، كان الطلاب مُجبرين على كتابة رسائل للمقاتلين في الجبهات، وتم إعطاء تعليم “الشهادة” مكانة خاصة في المدارس.
وكانت ذروة هذا النموذج هي قصة “حسين فهميده”، وهو مراهق في الثالثة عشرة من عمره، قام في نوفمبر (تشرين الثاني) 1980 في خرمشهر بالاندفاع نحو دبابة عراقية بقنبلة يدوية. وقد وصفه مؤسس النظام الإيراني، روح الله الخميني، بأنه “قائد”. وانتشرت صورته في كل مدرسة، ومن بعده أُرسل آلاف المراهقين من "الباسيج" إلى حقول الألغام لفتح الطريق بجسدهم أمام المقاتلين البالغين.
وهي أسطورة كان هدفها فقط استخدام الأطفال لإضفاء الشرعية على الحرب.
كما شارك المراهقون في نقاط تفتيش لجان الثورة، وفي الدوريات داخل المدن، وكانوا يجلسون في الصفوف الأمامية في صلاة الجمعة، حيث كان النظام يصر على تصوير جبهة الثورة الشعبية كصفوف متراصة يشكّل الأطفال جزءًا منها.
تقديس الضحايا
بعد أربعة عقود، ما زال النظام الإيراني يرغب في إبقاء الأطفال والمراهقين في خط المواجهة. في الحرب الأخيرة، تم نشر مراهقين في نقاط التفتيش في المدن، وتعرض بعضهم لهجمات بطائرات مسيرة.
ولكن في المقابل يحدث شيء آخر: الأطفال الذين أصبحوا ضحايا للحرب يتم تحويلهم إلى مادة سردية.
وفي 28 فبراير (شباط) ومع بداية الحرب، تعرضت مدرسة “شجرة طيبة” في ميناب لهجوم صاروخي، ما أدى إلى مقتل عدد كبير من الطالبات. وهي جريمة يجب تذكّرها وتوثيقها ومحاسبة المسؤولين عنها. لكن ما يبنيه النظام الإيراني على هذه الجريمة هو شيء آخر: آلة صناعة القداسة.
ففي جدارية، تم عرض صور طالبات "ميناب"، وتحويل المكان إلى “مركز ثقافي” للأطفال في "مشهد". مكان تُقام فيه ورش “تفسيرية” حول الدفاع المقدس للأطفال.
ومن جهة أخرى، أعلن وزير التعليم إدراج رواية "ميناب" في الكتب المدرسية، بينما اقترح رئيس مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس في الحرس الثوري الإيراني، بهمن كارجار، تحويل مدرسة ميناب إلى مزار دائم على طريق “قوافل النور”.
والآن يأتي موضوع “غيم جام الطفل والحرب” ليصل سرد "ميناب" إلى جيل لاعبي الألعاب، بحيث يُعاد إنتاج الطفل القتيل داخل لعبة فيديو كشخصية قابلة للعب.
حين تُعرض صورة الطفل القتيل على جدار، أو يتحول في كتاب مدرسي إلى أسطورة، أو يُصمم كشخصية في لعبة، فإن الرسالة التي يرسلها النظام للمجتمع هي: موت هذا الطفل لم يكن موتًا عاديًا، بل كان “استشهادًا”. والاستشهاد يولّد الحماس.
وهذا هو نفس منطق الثمانينيات ولكن بأدوات جديدة. في ذلك الوقت، تم إرسال جيل إلى الجبهة عبر صورة حسين فهميده. واليوم يتم إعداد جيل جديد للحرب القادمة عبر صور أطفال ميناب.
تحويل الطفولة إلى أداة
البذرة التي بدأت في الثمانينيات عبر الرسائل المدرسية والحصالة البلاستيكية على شكل قنبلة ومشاركة الأطفال العاطفية في الحرب، وصلت اليوم إلى مرحلة جديدة.
واليوم يستمر النظام عبر "جيم جام الطفل والحرب" وبين المرحلتين ليس فقط فرق التكنولوجيا، بل أيضًا تطور في أسلوب تحويل الطفولة إلى أداة.
والطفل الإيراني، خلال هذه العقود الأربعة، لم يُنظر إليه كطفل، بل كأداة لتقديس الحرب والعنف في النظام الإيراني. وهو نظام حرم أطفال إيران حتى من حقهم في أن يكونوا أطفالاً.