وهذا الإجماع لم يأتِ مصادفة؛ بل هو نتيجة تجربة عقد من الحروب الإقليمية، وضغط الرأي العام المتعب من النزاعات، والخوف من عدم الاستقرار الذي قد تخلقه الحرب على الحدود والشوارع.
وفي إطار الوساطة بين البلدين، لعبت تركيا وعُمان وقطر والسعودية ومصر دورًا نشطًا في هذه الفترة. ويسعى النظام الإيراني، من خلال تهديداته بحرب إقليمية في حال هجوم أميركي، لاستغلال مخاوف هذه الدول في مختلف المجالات، وبالاعتماد على قدرتها التفاوضية، لبناء منطقة عازلة دبلوماسية لنفسها لتفادي الضرر المحتمل أو تقليل حجم الخسائر.
وتقوم إيران بهذه المحاولات رغم أن معظم هذه الدول لديها علاقات أفضل مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فهي ترى الحرب خطرًا كبيرًا، وفي حال حدوثها، ستكون غالبًا جهات غير مباشرة أو متعاونة بشكل محدود مع واشنطن.
من الحدود إلى خطوط النقل
يتعلق جزء من قلق دول المنطقة بالحدود وطرق النقل. فقد أكدت تركيا مرارًا هذا القلق الحدودي، بل إنها سعت حتى لإنشاء منطقة عازلة على الحدود.
ومع ذلك، تركيا لديها أكبر عدد من التبادلات الإقليمية مع طهران. في الأسابيع الأخيرة، قامت أنقرة بدبلوماسية إقليمية ودولية ملحوظة لمنع الطرفين من الدخول في حرب. وقد تحدث مسؤولوها مرارًا عن الآثار المدمرة للحرب في المنطقة، مؤكدين على الدبلوماسية كبديل.
وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عدة مرات أن أنقرة لا تريد حربًا جديدة في الشرق الأوسط وتسعى لمنعها. وقال وزير خارجيته، هاكان فيدان، في آخر تصريحاته في 9 فبراير (شباط) الجاري، إنه لا يرى "تهديدًا فوريًا للحرب"، لكنه حذر من أن الحرب والمفاوضات تسيران معًا، مؤكدًا أن الهجمات الجوية على إيران لن تُسقط النظام، ولن تحل الأزمة النووية، وأن الحل يكمن في مفاوضات مرحلية بين البلدين.
وإذا اندلعت الحرب رغم هذه الجهود، من المتوقع أن تبقى تركيا رسميًا على الحياد، ولن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها في عمليات هجومية مباشرة ضد إيران. ومع ذلك، ستستمر في التعاون الاستخباراتي واللوجستي مع الولايات المتحدة بشكل غير علني، وستبقى قاعدة "إنجرليك" واحدة من المقرات الآمنة لأميركا.
كما ستلعب أنقرة دور الوسيط النشط لتثبيت وقف إطلاق النار أو "اتفاق مؤقت"، بهدف منع موجة جديدة من اللاجئين ومنع تدفق التحركات القومية، خصوصًا في المناطق الكردية، إلى حدودها.
مصر ودورها الوسيط
على الرغم من بُعد المسافة الجغرافية، فإن مصر قلقة للغاية؛ بسبب اعتمادها الحيوي على أمن قناة السويس والبحر الأحمر. وقد ركزت الدبلوماسية المصرية مؤخرًا، بقيادة وزير الخارجية بدر عبد العاطي، على ضرورة الحلول السياسية لمنع تسرب الأزمة إلى شرايين الاقتصاد الوطني.
وفي حال الحرب، ستبقى مصر متحالفة سياسيًا مع واشنطن وحلفائها العرب، لكنها ستمتنع عن التدخل العسكري، وتركز على حماية الملاحة، وضبط الرأي العام، والضغط الدولي من أجل وقف إطلاق النار، لتجنب استنزاف مواردها المالية وعودة النشاط الإرهابي في المنطقة.
الدول الخليجية
في خريطة "الشطرنج السياسية" للشرق الأوسط، ظهرت الدول الخليجية بدور فاعل ونشط، ويرى قادتها أن أمنهم وازدهارهم الاقتصادي مرتبط بالسيطرة على التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
* سلطنة عُمان: تلعب دور الوسيط المحايد الكلاسيكي، وتعتبر أي تصعيد تهديدًا حيويًا لاستقرار اقتصادها الداخلي، وقد أصبحت قاعدة للمفاوضات بين طهران وواشنطن. هدفها الحفاظ على أزمة قابلة للإدارة، وليس حربًا شاملة أو سلامًا كاملاً يقلل من دورها الوسيط.
* قطر: شريك عسكري مقرب من الولايات المتحدة، ولها علاقات بارزة مع إيران. تحذر من أي تصعيد لأنه سيكون كارثيًا للمنطقة، وتسعى للوساطة. وإذا اندلعت الحرب، ستوفر قطر قاعدة العديد للعمليات الأميركية، بينما تظل محمية بموجب التزامات الدفاع الأميركي. لكنها تدرك أن أي هجوم على هذه القاعدة أو البنية التحتية للطاقة يهدد اقتصادها وبقاءها السياسي.
* السعودية: بعد استثمارات كبيرة مؤخرًا، تتخذ موقفًا حذرًا تجاه الحرب المحتملة، وتركز على خفض التوتر. وقد شدد ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، على ضرورة تجنب أي خطوة تصعيدية، وأبلغ واشنطن أنه لا يريد استخدام أراضي المملكة أو أجوائها للهجوم على إيران. وتدعم المفاوضات الأميركية- الإيرانية في عمان كأفضل سبيل لخفض التوتر، وستدمج بين الدعم السياسي لأمييكا، وتعزيز الدفاعات الجوية، والجهود الدبلوماسية لحماية منشآتها النفطية.
الخلاصة
معظم دول الشرق الأوسط، رغم خلافاتها العميقة مع إيران، تعارض الحرب، ليس بدافع السلام المجرد، بل بسبب اعتمادها على الولايات المتحدة وخطر التعرض لهجمات إيران المباشرة على أراضيها وأسواقها.
وقد ترفع الحرب أسعار النفط مؤقتًا، لكنها تحمل مخاطر متوسطة المدى لتدمير البنى التحتية للطاقة، تعطيل مرور السفن في مضيق هرمز وقناة السويس، وهروب رؤوس الأموال.
ويفضل قادة هذه الدول إدارة أزمة "قابلة للتحكم" بالتهديد والمفاوضات على مواجهة حرب غير قابلة للتحكم. وتلعب هذه الدول دور "معزز القوة" للدبلوماسية، ما يمنح طهران وواشنطن فرصة للانسحاب بكرامة.
ومع ذلك، إذا خرجت الحرب عن السيطرة، سيهيمن الميل للانضمام إلى الضغوط الدولية ضد طهران على رغبة هذه الدول في الوساطة.