وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، خلال مؤتمر صحافي عقده الثلاثاء 25 أغسطس (آب)، إن "الحرب الاقتصادية والضغط الأقصى لن يساعدا في حل المشكلة"، مضيفًا أن هذه السياسات "تؤدي إلى تصعيد التوترات والصراعات" وتزيد من خطر امتدادها إلى مجالات أخرى.
وشدد على أن التعاون الصيني مع إيران يجري دائمًا في إطار القانون الدولي، وأنه "يجب ألا يتعرض للعرقلة أو الإضعاف".
وأضاف لين أن بكين تتابع التطورات عن كثب، وستتخذ "جميع الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها بشكل حازم".
وجاء الموقف الصيني بعد يوم واحد من إعلان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، خطط واشنطن الجديدة لتصعيد الضغط الاقتصادي على النظام الإيراني، واصفًا هدف هذه الخطط بأنه "قطع جميع الشرايين الاقتصادية" لطهران.
وتصاعد الضغط الاقتصادي الأميركي على إيران بعد استئناف الحصار البحري على الموانئ الإيرانية في 13 يوليو (تموز)، كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 20 أغسطس (آب) الجاري بدء عملية واسعة لزيادة الضغط الاقتصادي على النظام الإيراني.
وبالتزامن مع تصاعد الضغوط الاقتصادية، أعلن ترامب، يوم الثلاثاء 25 أغسطس، اكتمال عملية إزالة الألغام من المياه الدولية في مضيق هرمز، محذرًا من أن أي سفينة تعيد زرع الألغام ستُدمّر "فورًا وبشكل منهجي".
فرض عقوبات أميركية على أكثر من 60 وسيطًا وشركة وسفينة
كانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت، في 24 أغسطس، عقوبات على 24 شخصًا و48 شركة وكيانًا وست سفن مرتبطة بالنظام الإيراني. وتشمل القائمة أكثر من 12 شركة صغيرة في الصين وهونغ كونغ، لكنها لا تضم أيًا من كبار الفاعلين في النظام المالي الصيني.
وبموجب الحملة الأميركية الجديدة، يمكن أن تشمل العقوبات الثانوية قطاعات من الاقتصاد الإيراني من بينها النفط والمنتجات النفطية، والعملات المشفرة، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن البحري.
وبموجب هذه السياسة، قد تستهدف العقوبات الأميركية الأشخاص والشركات الأجنبية التي تنشط في هذه القطاعات أو تقدم خدمات لها، كما قد تُقيَّد إمكانية وصولها إلى النظام المالي الأميركي.
أميركا تحذر شركاء إيران التجاريين: اختاروا بين طهران والاقتصاد العالمي
وصف بيسنت هذه الحملة بأنها "اليوم الاقتصادي الكبير ضد النظام الإيراني" (Economic D-Day)، وحذر الدول التي تواصل شراء النفط الإيراني من أنها ستواجه ضغوطًا اقتصادية أميركية.
وفي مؤتمر صحافي عُقد لشرح السياسات الجديدة للإدارة الأميركية، وردًا على سؤال حول سبب عدم استهداف البنوك الصينية، قال بيسنت إن "الدبلوماسية الهادئة" هي أفضل وسيلة للتعامل. وأضاف أن مؤسسة مالية دولية كبرى ستخضع لإجراءات عقابية، لكنه لم يكشف اسمها أو مزيدًا من التفاصيل.
وكتبت الأكاديمية في جامعة إسكس، ناتاشا ليندستت، في تحليل نشرته مجلة "فوربس"، أن وصف الحملة بـ "اليوم الاقتصادي الكبير" لا يتناسب مع حجم الإجراءات المعلنة. ووفقًا لتقييمها، ستؤدي العقوبات إلى رفع تكلفة التجارة مع طهران وإضعاف الاقتصاد الإيراني أكثر، لكنها لن تؤدي إلى تغيير النظام ما لم تستهدف واشنطن البنوك والشركات الصينية الكبرى، وما لم تخفض بكين مشترياتها من النفط الإيراني بشكل كبير.
وأضافت أن العقوبات السابقة فرضت ضغوطًا على الطبقة الوسطى الإيرانية أكثر مما أثرت على النخبة الحاكمة والحرس الثوري. وكتبت ليندستت أن الصين تمثل شريانًا حيويًا لاقتصاد النظام الإيراني، لكنها ليست حليفًا ملتزمًا تجاه طهران، وقد تقدم تنازلات محدودة لتخفيف الضغوط الأميركية، بدلًا من قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران بالكامل.
الصين لا تزال أكبر مشترٍ للنفط الإيراني
الصين هي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، واستمرار صادرات النفط إليها يؤدي دورًا مهمًا في قدرة طهران على مقاومة الضغوط الاقتصادية الأميركية.
وبحسب بيانات شركة "كبلر"، استوردت الصين منذ بداية عام 2026 نحو 1.2 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني، وهو رقم يقل بشكل طفيف فقط عن الفترة نفسها من العام الماضي.
وقال كبير محللي النفط في شركة "كبلر" لتتبع شاحنات النفط، مويُو شو، لصحيفة "نيويورك تايمز" إن كميات كبيرة من النفط الإيراني موجودة حاليًا على متن سفن وفي خزانات تخزين حول مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي وبالقرب من الموانئ الصينية.
وأضاف شو أن تقدير حجم الصادرات الحالية بات صعبًا، لأن السفن أصبحت أكثر مهارة في التهرب من التتبع، إذ تعمد إلى إيقاف أنظمة التتبع أثناء عبورها مضيق هرمز، ما يجعل من الصعب تعقبها بدقة.
وتمتنع ثلاث شركات نفط صينية حكومية كبرى عن شراء النفط الإيراني بسبب علاقاتها الواسعة مع البنوك الغربية، لكن المصافي الصينية الخاصة، المعروفة باسم "تي بوت" (Teapot)، تشتري النفط الإيراني بخصومات كبيرة. ولدى كثير من هذه المصافي تعاملات دولية محدودة، ويُعتقد أن جزءًا كبيرًا من معاملاتها يتم باليوان أو العملات المشفرة، ما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة ممارسة ضغوط مالية عليها.
كما يُنقل النفط الإيراني في بعض الحالات إلى المياه المحيطة بماليزيا، ثم تُنقل الشحنة من سفينة إلى أخرى قبل أن تواصل طريقها إلى الموانئ الصينية.
وفي 24 أبريل (نيسان) الماضي فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مصفاة "هنغلي" للبتروكيماويات، وهي ثاني أكبر مصفاة "تي بوت" في الصين وواحدة من أكبر مشتري النفط الإيراني. وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن المصفاة اشترت مليارات الدولارات من النفط والمنتجات النفطية الإيرانية.
وفي 16 أبريل 2025 فرضت الولايات المتحدة أيضًا عقوبات على مصفاة "شاندونغ شنغشينغ كيميكال"، بسبب شرائها أكثر من مليار دولار من النفط الخام الإيراني.
واشنطن تتعامل بحذر مع بكين
حتى الآن، امتنعت إدارة ترامب عن فرض عقوبات على البنوك والمؤسسات المالية الصينية الكبرى. ويرى بعض الخبراء أن هذا الموقف يعكس إحجام واشنطن عن تعريض الهدنة الهشة في العلاقات مع بكين للخطر.
وكتب مجلس تحرير صحيفة "واشنطن بوست"، في 24 أغسطس، مؤيدًا "عملية الإقصاء الاقتصادي"، أن تجاهل الولايات المتحدة لاستمرار التجارة الصينية مع إيران سيجعل تهديدات بيسنت تبدو "فارغة".
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر قبيل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره الصيني، شي جين بينغ، الذي من المتوقع أن يزور الولايات المتحدة الشهر المقبل للقاء ترامب، بينما تتواصل المفاوضات الرامية إلى تثبيت العلاقات بين البلدين.
كما تمتلك الصين أوراق ضغط اقتصادية مهمة. فخلال النزاع التجاري مع الولايات المتحدة، قيّدت بكين الوصول إلى المعادن الحيوية، واستخدمت سيطرتها على سلاسل التوريد كأداة ضغط على الشركات الأميركية.
الحصار البحري الأميركي خفّض صادرات النفط الإيراني إلى الصين
وقال دانيال تيننباوم، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية، خلال إدارة جورج دبليو بوش، لصحيفة "نيويورك تايمز" إن واشنطن تجنبت حتى الآن "بشدة" الدخول في مواجهة مع الصين، مضيفًا أن بكين تمتلك في الظروف الراهنة أوراق ضغط أكثر من الولايات المتحدة.
وقال ريتشارد نفيو، المسؤول السابق في إدارة باراك أوباما، والذي شارك في المفاوضات النووية مع إيران، إن استهداف البنوك أو الشركات الصينية ذات الأهمية النظامية قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الأسواق والشركات والبنوك وشركات التأمين.
وسبق للولايات المتحدة أن ضغطت على الصين لخفض مشترياتها من النفط الإيراني. ففي نحو عام 2012، خلال رئاسة باراك أوباما، طلبت واشنطن من الصين ودول أخرى خفض مشترياتها من الخام الإيراني، كما فرضت عقوبات على البنك الصيني "كونلون" بسبب علاقاته مع طهران وإجرائه معاملات مع بنوك إيرانية خاضعة للعقوبات.