• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

بين ركود عميق وتضخم قياسي.. إيران تواجه عاصفة اقتصادية مزدوجة

آرش سهرابي
آرش سهرابي

إيران إنترناشيونال

11 يوليو 2026، 19:18 غرينتش+1

قضت الحرب على آفاق النمو الضعيفة أصلاً في إيران. فالاقتصاد ينكمش في وقت ترتفع فيه الأسعار بأحد أسرع المعدلات في المنطقة، ما يجبر الأسر الإيرانية على تحمل أعباء الحرب والعقوبات وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، بتراجع فرص العمل، وانخفاض الدخول، وانهيار القدرة الشرائية.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.1 في المائة خلال عام 2026، بعد انكماش يُقدَّر بـ 1.5 في المائة في العام الماضي. كما يُتوقع أن يرتفع متوسط تضخم أسعار المستهلك، الذي تجاوز بالفعل 50 في المائة في عام 2025، إلى 68.9 في المائة.

ويكتسب اجتماع هذين المؤشرين أهمية أكبر من كل منهما على حدة؛ فالركود يعني أن الاقتصاد ينتج أقل، وأن الشركات تبيع أقل، وأن فرص العمل والاستثمار تتقلص، بينما يعني تضخم يقترب من 70 في المائة أن ما يتبقى من الدخل يفقد قيمته بوتيرة استثنائية.

وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، أصبحت الرواتب بالكاد تكفي لتغطية نفقات الغذاء.

أما الأسر الإيرانية، فتتعرض لضغط مزدوج: فرص أقل لكسب المال، وقدرة شرائية أضعف بكثير حتى بعد الحصول على الدخل.

ويتضح حجم التدهور أيضًا في مراجعة صندوق النقد الدولي لتوقعاته. فقبل ثلاثة أشهر فقط، كان يتوقع أن يحقق الاقتصاد الإيراني نموًا متواضعًا يبلغ نحو 1.1 في المائة، لكنه خفض تقديراته الآن بمقدار 7.2 نقاط مئوية إلى انكماش بنسبة 6.1 في المائة، في واحدة من أكبر المراجعات السلبية في التقرير.

وقال الصندوق: «تم خفض توقعات نمو إيران في عام 2026 بمقدار 7.2 نقاط مئوية مقارنة بتوقعات يناير، لتصل إلى سالب 6.1 في المائة».

ويربط الصندوق هذا التراجع بالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة والنقل، وانخفاض الإنتاج والصادرات، والاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز. ويضع إيران إلى جانب العراق وقطر والكويت والبحرين ضمن الاقتصادات الإقليمية الأكثر تعرضًا لتداعيات الصراع.

ومن المتوقع أن يمتد التراجع إلى سوق العمل، إذ يُنتظر أن يرتفع معدل البطالة من 8 في المائة إلى 9.2 في المائة، رغم أن هذا الرقم لا يعكس سوى جزء من الضغوط في اقتصاد تنتشر فيه العمالة غير الرسمية، والبطالة المقنعة، وتراجع الأجور الحقيقية.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم خلال العام 68.9 في المائة، بينما يصل معدل التضخم بنهاية العام إلى 48.7 في المائة. ويشير هذا الفارق إلى احتمال تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار في وقت لاحق من العام، لكن ليس بالقدر الكافي لاستعادة أي مستوى قريب من الاستقرار السعري.

كما أن انخفاض معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار، إذ ستواصل الارتفاع بوتيرة سريعة انطلاقًا من مستويات مرتفعة أصلًا، ما يجعل الغذاء والسكن والاحتياجات الأساسية الأخرى أكثر بعدًا عن متناول الأسر التي لم تواكب أجورها ارتفاع الأسعار.

وتُظهر المقارنات الإقليمية حجم الأزمة الإيرانية بصورة أوضح؛ فمن المتوقع أن تحقق السعودية والإمارات نموًا اقتصاديًا بنسبة 3.1 في المائة لكل منهما، بينما يُنتظر أن ينمو اقتصاد سلطنة عُمان بنسبة 3.5 في المائة. وفي المقابل، يُتوقع أن تبلغ معدلات التضخم فيها 2.3 في المائة و2.5 في المائة و1.7 في المائة على التوالي.

أما قطر والعراق، فمن المتوقع أن يشهدا انكماشًا أكبر يبلغ 8.6 في المائة و6.8 في المائة على التوالي، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الأضرار والاضطرابات التي طالت إنتاج الطاقة، إلا أن التضخم فيهما سيظل قريبًا من 3 في المائة إلى 4 في المائة. وتكمن خصوصية الأزمة الإيرانية في أنها تجمع بين ركود اقتصادي فرضته الحرب ومشكلة تضخم متجذرة كانت قائمة قبل اندلاع القتال.

وتقدم تركيا مقارنة أخرى؛ فرغم سنوات التضخم المرتفع، لا يزال صندوق النقد الدولي يتوقع نمو اقتصادها بنسبة 3.4 في المائة في عام 2026، مع متوسط تضخم يبلغ 28.6 في المائة. أما في إيران، فيزيد التضخم على ضعفي هذا المستوى، بينما يتجه الاقتصاد في الاتجاه المعاكس بانكماش حاد.

كما يزداد ضعف الوضع الخارجي لإيران، إذ يُتوقع أن يتحول الحساب الجاري من فائض يعادل 0.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى عجز يبلغ 1.8 في المائة.

وبالنسبة لدولة تُعد من كبار منتجي النفط والغاز، فإن هذا التحول يعكس خسائر في عائدات الصادرات، وتراجعًا في الإنتاج، وانخفاضًا في إمكانية الوصول إلى العملات الأجنبية. وفي المقابل، يُتوقع أن تحتفظ الإمارات بفائض يبلغ 11.4 في المائة، وقطر 11 في المائة، وسلطنة عُمان 7.5 في المائة، ما يمنح هذه الدول هوامش مالية أكبر بكثير.

ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحذر، إذ تعتمد بيانات صندوق النقد الدولي الخاصة بإيران جزئيًا على المعلومات التي تقدمها المؤسسات المالية والنقدية التابعة للنظام الإيراني، إضافة إلى تقديرات خبراء الصندوق في الحالات التي تكون فيها البيانات غير مكتملة.

ولا يعكس ذلك بالكامل ضعف سعر صرف العملة الإيرانية في السوق الحرة، إذ لا يزال سعر الصرف المعتمد في نظام «نيما» يبالغ في قيمة العملة الإيرانية مقارنة بالسوق، حيث يبلغ سعر الدولار نحو 1.48 مليون ريال وفق «نيما»، مقابل نحو 1.78 مليون ريال في السوق الحرة.

ولا تقتصر الأضرار على إيران وحدها، إذ يقول صندوق النقد الدولي إن الضربات التي استهدفت حقل غاز «بارس الجنوبي» قلصت بشكل كبير فرص التعافي السريع لإمدادات الغاز الإقليمية، وتلتها هجمات إيرانية على منشآت الطاقة في الدول الخليجية، بما في ذلك مجمع رأس لفان في قطر.

كما ارتفعت الأسعار المرجعية للغاز في أوروبا بنسبة 61 في المائة بين أغسطس (آب) 2025 ومارس (آذار) 2026، في حين قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بأكثر من 80 في المائة.

ولا يزال السيناريو الأساسي لصندوق النقد الدولي يفترض أن يكون النزاع قصير الأمد نسبيًا، وأن يعود الإنتاج والنقل تدريجيًا إلى طبيعته. ووفق هذا السيناريو، سيتباطأ النمو العالمي إلى 3.1 في المائة، بينما سيرتفع التضخم إلى 4.4 في المائة. لكن التقرير يحذر من أن استمرار الاضطرابات لفترة أطول قد يخفض النمو العالمي إلى نحو 2 في المائة ويرفع التضخم إلى قرابة 6 في المائة.

وينطبق هذا التحذير بصورة أشد على إيران؛ فالتوقع بانكماش الاقتصاد بنسبة 6.1 في المائة لا يمثل أسوأ السيناريوهات المحتملة، بل يستند إلى افتراض أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب ستبدأ بالتراجع تدريجيًا.

الأكثر مشاهدة

متحدث الخارجية الإيرانية: لم نهاجم أي دولة في المنطقة ولن نهاجمها
1

متحدث الخارجية الإيرانية: لم نهاجم أي دولة في المنطقة ولن نهاجمها

2

دعوة للانتقام والثأر.. وتوسيع بنك الأهداف.. وإشعال المنطقة... وارتفاع أسعار الخبز

3

وكالة "فارس" التابعة للحرس الثوري الإيراني تؤكد قصف أهداف في الكويت

4

القناة 12 الإسرائيلية: استخبارات غربية رصدت مؤشرات على تخطيط إيران لاغتيال ترامب في تركيا

5

"هآرتس": "الموساد" الإسرائيلي وضع أحمدي نجاد في الحسبان لقيادة إيران بعد الإطاحة بالنظام

•
•
•

المقالات ذات الصلة

خامنئي.. 36 عامًا من انتهاكات حقوق الإنسان والإضرار بمصالح إيران الوطنية

8 يوليو 2026، 17:09 غرينتش+1
•
مرتضى كاظميان
100%

ارتبطت حصيلة 36 عامًا من حكم علي خامنئي، بصفته المرشد الأعلى للنظام الإيراني بقضيتين أساسيتين: الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والإضرار بالأمن والمصالح الوطنية لإيران.

فمن الناشطين السياسيين والكتّاب والصحافيين إلى النشطاء الطلابيين والنقابيين من العمال والمعلمين، ومن أبناء الطائفة السُّنَّية والبهائيين والدراويش الجنابادية (إحدى الطرق الصوفية الشيعية في إيران) إلى الفنانين ورجال القانون، ومن الرياضيين إلى المتقاعدين والمزارعين، تعرضت شرائح اجتماعية مختلفة، طوال 36 عامًا من حكم المرشد الإيراني الراحل، لإجراءات أمنية وقمعية وسياسات قمع ممنهجة.

كما يُعد فرض القيود على لباس النساء، والسعي لفرض الحجاب الإجباري، واستخدام العنف ضد النساء، إضافة إلى القمع الدموي للمحتجين خلال حركة «المرأة، الحياة، الحرية»، شاهدًا بارزًا آخر على هذا النهج.

أما ذروة الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في إيران، فتمثلت في إطلاق القوات العسكرية والأمنية الإيرانية الرصاص الحي والمباشر على عشرات الآلاف من المواطنين المحتجين في شهري ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وهي المجزرة التي نُفذت بأمر وإشراف مباشر من خامنئي.

حروب علي خامنئي ضد إيران والإيرانيين

لم يقتصر الانتهاك الواسع للحقوق الأساسية والمدنية للمواطنين الإيرانيين على هذا القمع العنيف والأمني الفج.

فقد أدت 36 عاماً من حكم خامنئي، ومشاریعه القائمة على الأوهام، وسياساته المناهضة للمصالح الوطنية، إلى تفاقم التضخم، والفقر، والبطالة، وسوء التغذية، والفجوة الطبقية، والعديد من الآفات الاجتماعية؛ بما في ذلك انتشار الانفلات الأمني، والسرقة، والإدمان، والدعارة في إيران.

وعلاوة على ذلك، فإن تراجع الرفاهية والقدرة الاقتصادية للبلاد، فضلاً عن إضعاف القوة الوطنية والمكانة السياسية لإيران في المنطقة بسبب سياسات خامنئي المؤججة للحروب، لم يكن له من نتيجة أو معنى سوى العمل ضد أمن إيران ومصالحها الوطنية؛ وهي التهمة نفسها التي كانت على مدار 36 عاماً من حكمه ذريعة للملاحقات القضائية والأمنية، واعتقال وسجن الناشطين السياسيين، والحقوقيين، والصحافيين، وحتى النقابيين.

وبصرف النظر عن ذلك، فإن البرامج الصاروخية والنووية الإيرانية الباهظة التكلفة، إلى جانب تنظيم وتدريب وتسليح الفصائل الإقليمية التابعة للحرس الثوري، جرت كلها بتوجيه وأوامر مباشرة من خامنئي. وهي مشاريع بددت مئات المليارات من الدولارات من ثروات ورساميل الشعب الإيراني بشكل مباشر، وتسببت في خسائر غير مباشرة تقدر بآلاف المليارات من الدولارات.

لقد كان استثماراً فلكياً تم دون أي رقابة من الممثلين الحقيقيين للشعب في البرلمان، ودون إتاحة الفرصة للنقد في وسائل الإعلام المحلية، مما أدى في النهاية إلى حصاد لم يثمر أي منفعة للبلاد والإيرانيين، بل صب بلا شك في ضرر الأمن والمصالح الوطنية لإيران.

إن وفاة حاكم، ارتبط اسمه بكل هذه التداعيات والخسائر، تعني زوال أحد أبرز المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإزالة تهديد كبير للأمن والمصالح الوطنية لإيران.

مراسم باهتة وفشل في استعراض القوة.. تكلفة تشييع جثمان خامنئي الباهظة تثير غضب الإيرانيين

6 يوليو 2026، 15:04 غرينتش+1
•
سبا حيدرخاني
100%

تتناول ردود الفعل على مراسم الدفن الرسمية للمرشد الراحل، علي خامنئي، مختلف جوانب هذا الحدث، بدءًا من غياب مجتبى خامنئي، وصولاً إلى محاولات النظام الإيراني إظهار المراسم على أنها حاشدة ومكتظة بالمشاركين، رغم تقديمها رسميًا بوصفها "استعراضًا للقوة والشعبية".

وأشار عدد من متابعي "إيران إنترناشيونال" إلى الصور المنشورة من مصلى طهران، مؤكدين أنه رغم الحشد الواسع، والضغوط، وفرض العطلة، وتوفير وسائل نقل مجانية، والإمكانات التنظيمية التي سخرتها السلطات، فإن الحكومة لم تتمكن حتى من ملء المساحة التي خصصتها للمراسم.

ويرى هؤلاء أن ضعف الحضور، رغم كل هذه الإجراءات، يمثل فشلاً سياسيًا وأزمة واضحة في شرعية النظام.

وتعكس هذه الرسائل، بحسب أصحابها، أن النظام الإيراني لم يعد قادرًا حتى على إنجاح "استعراضاته" أمام الرأي العام.

وفي نظر كثير من المواطنين الإيرانيين، تجسد هذه المراسم مظاهر الإخفاق البنيوي الذي انتهى، بعد 47 عامًا من حكم النظام إلى واقع يتسم بالفقر والدمار والإذلال وتراكم الغضب الشعبي.

وأضافوا أن التكاليف الباهظة لتنظيم مثل هذه المراسم تُدفع من أموال المواطنين، في وقت يعجز فيه كثير منهم عن تأمين قوت يومهم أو سداد فواتير المياه والكهرباء، ويضطر بعضهم إلى إطعام أطفاله بما تبقى من هياكل الدجاج لسد الجوع.

رشق طاولة المفاوضات بالحجارة

تناول جزء آخر من رسائل المتابعين مقاطع فيديو نُشرت يوم مراسم التشييع، ظهرت فيها مشاهد لرشق صور الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالحجارة بشكل رمزي.

وكتب أحد المتابعين، تعليقًا على تلك المشاهد، أن النظام الذي ينظم اليوم عرضًا من هذا النوع ضد ترامب، سيجلس الأسبوع المقبل إلى طاولة المفاوضات مع الطرف نفسه.

ويرى أصحاب هذه الرسائل أن هذا التناقض يعكس بوضوح طبيعة السياسة الخارجية للنظام الإيراني ط.

وبحسب رأيهم، فإن النظام الإيراني دأب على إطلاق شعارات حادة واستعراضية في خطابه الداخلي، لكنه يجد نفسه في نهاية المطاف مضطرًا إلى التفاوض وتقديم التنازلات.

التكلفة الباهظة لدفن خامنئي
تركز جانب كبير من ردود الفعل على التكاليف المعلنة وغير المعلنة لهذه المراسم، والتي يرى المواطنون أنها أُنفقت في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للإيرانيين بشكل حاد، ولا سيما بعد الحرب، واتسعت رقعة الفقر.

وأشارت رسائل كثيرة إلى تدهور الأوضاع المعيشية، مثل اختفاء اللحوم والدجاج ومختلف مصادر البروتين من موائد كثير من الأسر، ووصول شرائح من المجتمع إلى مرحلة تكافح فيها من أجل البقاء.

ويرى أصحاب هذه الرسائل أن أولويات الإنفاق لدى إيران ظلت دائمًا بعيدة عن الاحتياجات الحقيقية للمواطنين، وأن هذه المراسم ليست سوى امتداد لهذا النهج.

وأضافوا أن حتى الحربين الأخيرتين، والحصار البحري، والعقوبات، ومقتل مسؤولين، والعزلة الإقليمية، لم تدفع النظام إلى تغيير أولوياته.

فبحسب رأيهم، لا يزال النظام يوجه الموارد العامة، ليس لتحسين حياة المواطنين، بل لاستعراض القوة، وحشد مؤيديه، وإعادة رسم صورة عن هيبته، وهو استعراض يعتبر كثيرون أنه أخفق هذه المرة أيضًا.

تكلفة تفوق جنازات زعماء العالم

لم تُعلن أي أرقام رسمية وإجمالية بشأن حجم الإنفاق على مراسم تشييع جثمان خامنئي.

ومع ذلك، حاول عدد من المواطنين في رسائلهم تقدير حجم هذه النفقات، التي شملت، بحسب تقديراتهم، المواكب، والمياه والطعام، والإقامة، ووسائل النقل، واستقدام الجماعات الحليفة، إلى جانب الأعمال الإنشائية على طول مسار المراسم، مثل إزالة الحواجز الخرسانية الخاصة بمسار الحافلات السريعة (BRT)، وتركيب الجدران الخرسانية، وغيرها من الإجراءات.

وقدّر بعض المتابعين تكلفة هذه المراسم بنحو 800 مليون دولار، وقارنوها بجنازات عدد من قادة العالم خلال السنوات الأخيرة.

وأشاروا، على سبيل المثال، إلى جنازة الملكة إليزابيث الثانية، التي بلغت تكلفتها، وفق الأرقام الرسمية للحكومة البريطانية، نحو 200 مليون دولار، رغم أنها شهدت حضور مئات المسؤولين الأجانب، وعرض النعش لعدة أيام في وستمنستر، وتغطية إعلامية عالمية، وانتشار عشرات الآلاف من عناصر الشرطة والجيش، إضافة إلى أيام من الحداد الوطني.

ويكتسب هذا التشبيه أهمية خاصة، بحسب رسائل المواطنين، لأن جنازة الملكة إليزابيث، إلى جانب ما رافقها من ترتيبات أمنية وبروتوكولية واسعة، كانت حدثًا عالميًا استقطب تغطية إعلامية ضخمة، وحقق أيضًا عوائد اقتصادية من خلال السياحة وحقوق البث التلفزيوني.

كما أشار المتابعون إلى وفاة سلطان عُمان، السلطان قابوس بن سعيد، في يناير (كانون الثاني) 2020، وأمير دولة الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في سبتمبر (أيلول) 2020.

وقد أُقيمت مراسم تشييع ودفن الزعيمين، وفق التقاليد الإسلامية، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.

ورغم عدم الإعلان رسميًا عن تكلفة جنازتيهما، فإن التقارير المنشورة حول تفاصيل المراسم تشير إلى أنهما كانتا أكثر بساطة وأقل تكلفة بكثير من المراسم الرسمية الضخمة التي أقامها النظام الإيراني رغم أن سلطنة عُمان ودولة الكويت من الدول الثرية، وأن المراسم الملكية والإجراءات الأمنية فيهما قد تكون مرتفعة التكلفة.

وفي المقابل، أنفقت إيران أموالًا طائلة على مراسم دفن زعيم كان يصف نفسه بأنه "قائد المستضعفين في العالم"، بينما يواجه المواطنون في بلاده الفقر، والتضخم، وتأخر صرف مستحقات المتقاعدين، وديون الحكومة لصناديق التأمين، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية.

وتساءل المواطنون في رسائلهم: كيف لنظام ظلّ لسنوات يصف احتفالات 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية في عهد أسرة بهلوي بأنها "إهدار للمال العام"، أن يستخدم اليوم الأموال العامة لتنظيم مراسم باهظة التكلفة ويعتبرها دليلًا على القوة؟

وأضافوا أن النظام الإيراني، طوال الأعوام السبعة والأربعين الماضية، لم يخصص مثل هذه الموارد المالية والتنظيمية للاحتفالات الوطنية للمواطنين، من "ليلة يلدا" (ليلة الانقلاب الشتوي وأطول ليالي السنة في إيران)، وجهارشنبه سوري (مهرجان تقليدي إيراني لوداع آخر شمس في السنة الفارسية يقام في آخر أربعاء من السنة الفارسية)، وعد النوروز، لكنه سخّر إمكانات الدولة المالية والتنفيذية لإقامة مراسم عزاء مرشده القتيل.

ويرى كثير من المتابعين أن النظام الذي يحتاج إلى الحشد الإجباري، وإعلان العطلات، والدعاية الرسمية، وتسخير إمكانات الدولة، وحتى مشاركة عناصر من خارج البلاد لإظهار شعبية زعيمه، لم يعد قادرًا على الادعاء بأنه يتمتع بشرعية شعبية.

ويخلص هؤلاء إلى أن هذه المراسم، بدلاً من أن تعكس قوة النظام، قدمت صورة عن سلطة تعاني العجز؛ فهي غير قادرة على معالجة الأزمة المعيشية للمواطنين، ولا تملك رصيدًا شعبيًا كافيًا لتوديع زعيمها، ولا تستطيع تنظيم مثل هذه المناسبة دون فرض الضغوط وإثقال كاهل المجتمع.

"شبح" مجتبى خامنئي في مراسم الدفن.. ماذا يعني حضور أو غياب المرشد الإيراني عن جنازة والده؟

4 يوليو 2026، 12:12 غرينتش+1
•
عطا محامد
100%

في 28 فبراير (شباط) الماضي، قُتل علي خامنئي، إثر هجوم مشترك شنته الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد مضى أكثر من 120 يومًا على مقتله من دون أن يُدفن، وها هي إيران ترتب الآن برنامجًا واسعًا لمراسم دفنه.

وتصفه السلطات بأنه "سيد شهداء إيران المقتدرة"، في وقت يكتنف الغموض مشاركة نجله، مجتبى خامنئي، الذي خلف والده في المنصب، في مراسم دفنه؛ وهو أمر قد يضعف أكثر من أي وقت مضى تأثير ومكانة "الولي الفقيه".

ويواجه مجتبى خامنئي، الابن الذي لم يُرَ أو يُسمع له أثر في الفضاء العام منذ أن ورث منصب والده، تحديًا يوميًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الأمن والتأثير السياسي. فمراسم دفن المرشد السابق، التي تحولت إلى أهم استعراض سياسي للنظام الإيراني، قد تجعل غياب مجتبى عنها عاملاً يزعزع مكانته، بينما قد يؤدي حضوره إلى فتح الباب أمام تصاعد الانتقادات الموجهة إلى السلطة.

أسطورة الجسد المهيب

من المنظور الشيعي، لا تمثل وفاة القائد نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة من التأثير السياسي. فبالنسبة إلى قائد أمضت أجهزة الدولة سنوات في صناعة صورة كاريزمية له، فإن موته ليس سوى حادثة بيولوجية، وليس نهاية لبنية السلطة.

وفي نظر المؤيدين للنظام، لم يكن علي خامنئي مجرد شخصية كاريزمية، بل كان يشغل "منصبًا مقدسًا". فوجوده في موقع الولي الفقيه منحه مكانة فريدة تجمع بين البعدين الروحي وما فوق القانون. ومن هذا المنطلق، فإن السلطة الحقيقية تعود إلى المنصب نفسه لا إلى الشخص؛ أي أن من يتولى هذا الموقع يرث، إلى جانب الشرعية الإلهية، كامل السلطة البنيوية لمؤسسة القيادة.

ويجد هذا الاعتقاد اللاهوتي، الذي يميز بين "منصب القيادة" و"شخص القائد"، انعكاسًا لافتًا في الفلسفة السياسية الغربية. فقد نظّر المؤرخ الألماني، إرنست كانتوروفيتش، لهذه الفكرة في نظريته الشهيرة "الجسدان للملك"، إذ يرى أن الحاكم يمتلك دائمًا جسدين في وعي المجتمعات: جسدًا طبيعيًا فانٍ يخضع للموت، وجسدًا سياسيًا خالدًا يبقى بعد وفاته.

غير أن المراسم الحالية تستحضر أيضًا لحظة أخرى من التاريخ السياسي الغربي، حين يصرخ المعلن الرسمي بعد وفاة الملك: "مات الملك، عاش الملك!"، لأن هذه المراسم تهدف رسميًا إلى أن يحل خامنئي جديد محل خامنئي آخر.

إن ما يهم النظام الإيراني في الظروف الحالية، التي ليست حربًا ولا سلمًا، هو أن يتمكن من الحفاظ على مؤسسة ولاية الفقيه. ولهذا السبب أيضًا تسعى الحكومة، من خلال منع كبار السن والأطفال من حضور هذه المراسم، من جهة إلى تقليل احتمالات وقوع خسائر بشرية إذا حدث أي هجوم محتمل، ومن جهة أخرى إلى توجيه رسالة متواصلة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل مفادها أنهما ينبغي ألا تستهدفا هذه المراسم، حتى تتمكن من الحفاظ على "جسدي الملك" الجديدين.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن مراسم تشييع خامنئي ليست مجرد عرض رمزي، بل هي لحظة تثبيت القائد الجديد. ويقول الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في وصف هذا الوضع: "إن هذا الصعود الأحمر ليس نهاية الطريق، بل بداية فصل جديد من التضامن والصمود والازدهار".

ويسعى النظام الإيراني، من خلال التركيز على انتقال السلطة، إلى ضمان انتقال موقع القيادة بدقة إلى الخليفة الجديد، وذلك في وقت لا يزال فيه احتمال اندلاع حرب جديدة قائمًا، ويعتقد كثيرون أن مجتبى خامنئي سيقود مرحلة هشة من الحياة السياسية في إيران.

فإذا حضر هذه المراسم، فإن الحكومة ستكون عمليًا قد حاولت صناعة أسطورة جديدة حوله. وستُظهره في وقت لا يزال فيه الخطر قائمًا، لتجسد علنًا الشعار القائل: "لقد تجلت يد الله، فأصبح خامنئي شابًا"، ولترسم صورة "خامنئي الشاب والقوي" الذي يرى مؤيدوه أنه "أجبر الولايات المتحدة على الركوع".

غير أن هذا العرض الأسطوري لن يجري في فراغ؛ فهو سيقف في مواجهة شعب بات أكثر غضبًا، وأكثر فقرًا، وأكثر شكًا في المستقبل مقارنة بما كان عليه في عهد والده. وهذه الفجوة بين محاولة صناعة الأسطورة والواقع الاجتماعي تمثل أحد الأسباب التي قد تبرر أيضًا غيابه.

إذا كان "غائبًا".. حزن الولاء

تسعى مختلف مؤسسات الدولة إلى تنظيم برنامج شامل وضخم، مستخدمة عبارات من قبيل "أكبر تجمع بشري"، وقد وضعت خططًا لإقامة أربعة ملايين شخص في الخيام والأكواخ والمنازل، وخصصت لهذه المناسبة خدمات الكهرباء والمياه و70 في المائة من طاقة النقل في البلاد.

ويبدو أن كل هذه الجهود تهدف إلى لفت الأنظار إلى ضخامة الحدث، بحيث لا يبرز غياب القائد في المشهد.

فإذا جرت مراسم التشييع لا في أجواء من التضامن المهيب، بل في ظل الغموض والغياب، فإن النظام السياسي سيدخل حالة يمكن وصفها بأنها "أزمة الغياب". وهنا نكون أمام فراغ وجودي يهز أسس جميع النظريات التي يستند إليها النظام في تبرير شرعيته.

إن هذا الغياب الجسدي ليس مجرد قضية سياسية، بل هو جرح في الجسد المقدس لـ "ولاية الفقيه". فعندما يغيب الخليفة عن تشييع والده، فإن المؤمنين التقليديين الذين يؤمنون بالصلة العميقة بين "القائد" و"الأمة" سيتساءلون عما إذا كانت هذه السلسلة قد انقطعت.

ومن الناحية النظرية، ورغم أن شرعية الولي الفقيه تُعرّف بأنها شرعية إلهية، فإن قبوله وفاعليته يرتبطان بـ "محبة الناس وثقتهم". والغياب يعني قطع هذه الرابطة العاطفية، وهذا يعني أن الدولة القائمة لم تعد تعكس في نظر أتباعها ذلك الاتصال الرمزي مع "الإمام الغائب".

من "البعثة" إلى "الحضارة".. كلمات مفتاحية لفهم التوجه الفكري لمجتبى خامنئي

1 يوليو 2026، 15:50 غرينتش+1
•
مهدي بيكي
100%

منذ 8 مارس (آذار) 2026، عندما أعلن مجلس "خبراء القيادة" في إيران تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام، نُشر له نحو عشرين رسالة ونصًا.

وبعض هذه الرسائل، مثل رسائل التعزية أو المناسبات الرسمية، اتسم بطابع بروتوكولي في الغالب، لكن ما لا يقل عن عشر رسائل أخرى تقدم صورة أوضح عن رؤيته السياسية والأيديولوجية.

وتتناول هذه الرسائل موضوعات متنوعة، من الجيش والبرلمان واللغة الفارسية، إلى الحج، وعيد "الغدير"، والخليج "الفارسي"، والاتفاق مع الولايات المتحدة، ومحور المقاومة.

ومع ذلك، فإن جمع هذه الرسائل معًا يُبرز كلمة واحدة أكثر من أي شيء آخر، وهي: "البعثة".

للوهلة الأولى، قد تبدو كلمة "البعثة" مجرد مصطلح ديني، لكن تكرارها في سياقات مختلفة يدل على أنها، في أدبيات مجتبى خامنئي، ليست مجرد تعبير ديني، بل قد تكون أحد المفاتيح الأساسية لفهم نظرته إلى الشعب، والحكم، ومستقبل النظام الإيراني.

"البعثة".. من مفهوم ديني إلى أداة سياسية

في التقليد الإسلامي، تعني البعثة الاصطفاء للقيام بمهمة إلهية؛ فالنبي يُبعث، أي تُلقى على عاتقه رسالة.

وفي رسائل مجتبى خامنئي أيضًا، لا تعني البعثة مجرد الاستيقاظ أو الوعي، بل تعني، قبل كل شيء، تكليفًا بمهمة.

ولهذا السبب يتحدث عن "بعثة الأمة الإيرانية"، و"بعثة الشعب"، و"بعثة الفنانين"، و"الأمة المبعوثة"، وحتى "الأمة الإسلامية المبعوثة".

وفي هذه الرواية، لا يُنظر إلى الناس بوصفهم مجرد مواطني دولة، بل باعتبارهم حملة رسالة تاريخية.

وهنا تحديدًا تتحول البعثة من مصطلح ديني إلى مفهوم سياسي.

"البعثة" تبدأ من الشعب

أولى الإشارات إلى هذا التصور ظهرت في رسالة مجتبى خامنئي بمناسبة الحج، في 26 مايو (أيار) الماضي.

ففي تلك الرسالة كتب أن الشعب الإيراني، بعد مقتل علي خامنئي، "نال بعثة إلهية"، وأنه، من خلال حضوره في جميع الساحات المطلوبة، شد أنظار العالم إليه.

غير أن أهم ما جاء في الرسالة هو قوله: "في أعقاب بعثة الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة، ستتحقق بعثة الأمة الإسلامية".

وفي هذه العبارة، توضع "بعثة الأمة الإيرانية" مباشرة إلى جانب "جبهة المقاومة"، ويُقدَّم الاثنان بوصفهما مقدمة لـ "بعثة الأمة الإسلامية".

ويتكرر هذا النمط في رسائل أخرى أيضًا. ففي رسالة يوم الفردوسي، يُطلب من الفنانين أن "يجعلوا بعثة الفنانين امتدادًا لبعثة الشعب"، وأن يوثقوا رواية هذه النهضة للتاريخ.

وفي رسالة افتتاح السنة الثالثة من الدورة الثانية عشرة للبرلمان، يُطلب من البرلمان أن يضبط نفسه "على مستوى الأمة المبعوثة".

وهكذا، لا تبقى البعثة محصورة بالشعب، بل تبدأ منه، ثم تمتد إلى الثقافة والفن، وتدخل المؤسسات الرسمية للدولة، وتنتهي بالاتساع إلى الأمة الإسلامية.

ولا يبدو هذا التسلسل عشوائيًا.

وفي رسالتي عيد الغدير وذكرى 4 يونيو (رحيل مؤسس النظام روح الله الخميني)، تتواصل الرواية نفسها.

يتحدث مجتبى خامنئي عن "بعثة جديدة" للشعب الإيراني، ويؤكد أن هذا الشعب، إلى جانب جبهة المقاومة، أصبح مصدر فخر للشعوب الأخرى.

كما يشير إلى "مرحلة جديدة من بعثة الأمة الإيرانية" وإلى "الأمة المبعوثة".

وفي جميع هذه الرسائل، يُصوَّر الشعب على أنه قوة اختيرت لأداء مهمة أكبر.

وترتبط هذه المهمة، في النهاية، بدعم جبهة المقاومة، ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، والمشاركة في صياغة نظام جديد في المنطقة والعالم.

البعثة.. الحلقة المفقودة في مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة
إذا وُضعت هذه الرسائل إلى جانب إحدى أهم نظريات المرشد الراحل، علي خامنئي، تتضح الصورة بصورة أكبر.

فقد تحدث المرشد الإيراني الراحل، طوال العقدين الماضيين، مرارًا عن "المسار الخماسي لتحقيق الحضارة الإسلامية الحديثة"، وهو مسار يبدأ بالثورة الإسلامية، ثم يمر بالنظام الإسلامي، والدولة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي، لينتهي بإقامة الحضارة الإسلامية الحديثة.

وفي هذه النظرية، لا يكفي إنشاء مؤسسات الحكم وحده، بل ينبغي أيضًا تغيير المجتمع، بحيث يرى الناس أنفسهم جزءًا من مهمة تاريخية.

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار البعثة في رسائل مجتبى خامنئي الحلقة التي تكمل هذا المشروع.

ففي هذه الرواية، لا يُعد الناس مجرد مؤيدين للنظام، بل هم "أمة مبعوثة". ويتعين على الفنانين أن يتحركوا في امتداد بعثة الشعب، وعلى البرلمان أن ينسجم مع الأمة المبعوثة، ثم يتوسع هذا المسار ليشمل الأمة الإسلامية ويقترن بجبهة المقاومة.

وبعبارة أخرى، إذا كانت العملية الخماسية تمثل خريطة طريق النظام الإيراني للوصول إلى الحضارة الإسلامية الحديثة، فإن البعثة تمثل محاولة لتعريف القوة البشرية التي ستقود هذا المشروع؛ أي الشعب الذي يُفترض أن يدفع هذا المسار إلى الأمام.

البعثة والمقاومة... والنظام الجديد

لا يقتصر الربط بين البعثة وجبهة المقاومة على الرسائل الدينية، بل يتكرر حتى في موضوع مثل الاتفاق مع الولايات المتحدة.

ففي رسالته بعد "مذكرة التفاهم" بين طهران وواشنطن، ذكر مجتبى خامنئي أنه، رغم معارضته الاتفاق في البداية، فإنه سمح بتنفيذه بسبب التزام رئيس الجمهورية وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي بـ "صون حقوق الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة".

ويظهر النمط نفسه أيضًا في رسالة اليوم الوطني للخليج؛ حيث كتب أن سلسلة الانتصارات الناتجة عن "سياسات المقاومة واستراتيجية إيران القوية" ستكون بداية "لنظام جديد في المنطقة والعالم".

وإذا جُمعت هذه الرسائل معًا، يمكن القول إن بعثة الشعب، وجبهة المقاومة، والنظام الجديد تمثل ثلاث حلقات في سلسلة واحدة؛ سلسلة تبدأ من داخل إيران، لكن هدفها النهائي يتجاوز حدودها.

لماذا تكتسب "البعثة" هذه الأهمية؟

قد يُقال إن كلمات مثل "المقاومة"، و"الولايات المتحدة"، و"إسرائيل"، أو "الأمة الإيرانية" تكررت أكثر في رسائل مجتبى خامنئي، لكن أهمية البعثة لا تكمن في عدد مرات تكرارها، بل في الموقع الذي تحتله داخل بنيته الفكرية.

فـ "المقاومة" تُعد منذ سنوات إحدى الكلمات المفتاحية الثابتة في خطاب النظام الإيراني، كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمثلان العدوين الدائمين لهذا الخطاب.

أما "البعثة"، فهي الكلمة التي تعيد تعريف دور الشعب.

ووفق هذا التصور، لا يكون الناس مجرد داعمين للنظام أو مشاركين في الانتخابات والمسيرات، بل يصبحون "مبعوثين"؛ أي أصحاب رسالة تتجاوز حدود الدولة، بل وحتى حدود الوطن.

ولهذا السبب، لا تمثل البعثة في رسائل مجتبى خامنئي مجرد مفهوم ديني، بل لغة جديدة لتعريف العلاقة بين الشعب والمشروع السياسي للنظام الإيراني.

لكن لماذا يصر مجتبى خامنئي إلى هذا الحد على مفهوم البعثة؟

باختصار، تعني البعثة في هذه الرسائل شعبًا جرى اختياره لأداء مهمة.

والسؤال الأساسي ليس: من الذي اختار هذا الشعب؟ بل: ما هي هذه المهمة تحديدًا؟

والإجابة لا بد من البحث عنها في مجمل رسائله.

فكلما وُضعت هذه الرسائل جنبًا إلى جنب، أصبح أكثر وضوحًا أن البعثة ليست الهدف النهائي، بل وسيلة للوصول إلى هدف أكبر.

ففي أول رسالة له بعد توليه منصب المرشد، كتب مجتبى خامنئي: "إن قضية المقاومة وجبهة المقاومة جزء لا يتجزأ من قيم الثورة الإيرانية".

وفي الرسائل اللاحقة، يتواصل المسار نفسه؛ إذ يتحدث عن لبنان، وفلسطين، والعراق، واليمن، وعن ضرورة صون "حقوق الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة" معًا في الاتفاق مع الولايات المتحدة، وصولًا إلى "النظام الجديد في المنطقة والعالم" الذي يُفترض أن يتشكل في ظل استراتيجية المقاومة.

وإذا قُرئت هذه الرسائل في إطار نظرية "المسار الخماسي لتحقيق الحضارة الإسلامية الحديثة"، فإنها تقدم صورة أكثر تماسكًا.

لقد تحدث علي خامنئي لسنوات عن مشروع كان من المفترض أن يقود من الثورة الإيرانية إلى حضارة حديثة. أما مجتبى خامنئي، فقد تحدث، على الأقل في الرسائل المنشورة حتى الآن، عن مفهوم يمكن أن يمثل القوة المحركة لذلك المشروع نفسه، وهو "الأمة المبعوثة".

ولعل هذا ما يجعل "البعثة" أهم كلمة مفتاحية في بداية عهد قيادة مجتبى خامنئي؛ فهي لا تعيد تعريف مكانة الشعب فحسب، بل تعيد أيضًا تحديد دوره في مواصلة المشروع الأيديولوجي للنظام الإيراني، وهو المشروع الذي كان من المفترض، وفق رؤية المرشد السابق، أن ينتهي إلى "الحضارة الإسلامية الحديثة"، والذي يواصله المرشد الجديد، بحسب رسائله، مع التمركز حول جبهة المقاومة وفي أفق "النظام الجديد في المنطقة والعالم".

وإذا كان هذا التفسير صحيحًا، فإن "البعثة" ليست مجرد اختيار لغوي أو ديني، بل قد تمثل حلقة الوصل بين خطاب المرشد الثاني وخطاب المرشد الثالث للنظام الإيراني.

وتُظهر هذه الحلقة أنه، على الأقل في الرسائل المنشورة حتى الآن، لا يلاحظ أي تغيير جوهري في التوجه الأيديولوجي للنظام الإيراني، بل يبدو أن هناك محاولة لمواصلة المشروع نفسه بلغة جديدة، وبصياغة جديدة لدور الشعب فيه.

تقليد أعمى.. عندما يحاول قاليباف تقمّص شخصية ترامب

27 يونيو 2026، 20:15 غرينتش+1
•
آرين ريسباف
100%

في 29 أبريل (نيسان) 2017، انتهت أول مناظرة للانتخابات الرئاسية الإيرانية، في ذلك الوقت، لكن عبارة واحدة طغت على المشهد السياسي آنذاك: "الأربعة في المائة".

فقد حاول رئيس البرلمان الإيراني الحالي، محمد باقر قاليباف، تقسيم المجتمع إلى فئتين: أربعة في المائة من المتمتعين بالسلطة والثروة، في مقابل ستةٍ وتسعين في المائة من المواطنين الذين، بحسب قوله، لا نصيب لهم من النفوذ أو الثروة. كانت صورةً بسيطة، مثيرة، ومناسبة تمامًا لتصدّر عناوين الأخبار.

بالنسبة إلى متابعي السياسة الأميركية، لم يكن هذا المشهد جديدًا. فقبل أشهر قليلة فقط من ذلك التاريخ، دخل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في ولايته الأولى، معتمدًا نموذجًا مشابهًا: "الشعب المنسي" في مواجهة النخب الحاكمة؛ رجل أعمال قوي في مواجهة السياسيين المحترفين؛ وهجوم مباشر على الخصوم بدل الغرق في تفاصيل البرامج الانتخابية.

وفي ذلك الوقت، كتبت وسائل إعلام إيرانية أن قاليباف كان يقلّد ترامب. فقد حاول، على غراره، أن يقدم نفسه باعتباره رجلاً من خارج المنظومة القائمة، مديرًا جاء ليقلب بنيةً يراها فاشلة.

ولكن كانت هناك مفارقة كبيرة؛ فترامب استطاع الادعاء بأنه جاء من خارج واشنطن، بينما كان قاليباف قد أمضى سنوات قائدًا لقوات الشرطة، ثم رئيسًا لبلدية طهران، وأحد أبرز المسؤولين المخضرمين في إيران. لقد كان يهاجم نظامًا هو نفسه أحد أركانه.

ولم تتوقف أوجه الشبه عند شعار "الأربعة في المائة". فقاليباف، مثل ترامب، أولى اهتمامًا كبيرًا ببناء علامته الشخصية؛ فتارةً يظهر بصفة القائد العسكري، وتارةً الطيار، وأحيانًا المدير "الجهادي"، وأحيانًا أخرى السياسي الذي يرتدي قميصًا غير رسمي وسط الناس.

وكانت الصور تتبدل، لكن الصيغة بقيت ثابتة: استعراض القوة، وإظهار الابتعاد عن المراسم الرسمية، وتقديم نفسه باعتباره "رجل الإنجاز" الذي يعمل بدلاً من الاكتفاء بالكلام.

ومع مرور السنوات، دخل هذا التقليد مرحلة جديدة. فلم يعد قاليباف يكتفي باستعارة شعارات ترامب، بل انتقل إلى تقليد لغته الإعلامية: جمل قصيرة، هجمات شخصية، سخرية، تلميحات لاذعة، استخدام "الميمز"، ورسائل صُممت خصيصًا لتنتشر بسرعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وبدلًا من البيانات المطولة والأسلوب الرسمي المعتاد في إيران، بدأ ينشر رسائل تستهدف ترامب مباشرة، وكأنه يحاول مواجهته بأساليبه هو: إرباك الخصم، والسخرية منه، والسيطرة على دورة الأخبار.

ثم جاءت اللقطة الأخيرة في مسلسل التقليد.

ففي رحلة العودة من مفاوضات سويسرا الأخيرة، وقف قاليباف أمام الصحافيين داخل الطائرة وأجاب عن أسئلتهم، في مشهد يكاد يكون نسخة من الإطار الذي اعتاد ترامب استخدامه داخل الطائرة الرئاسية الأميركية لإجراء أحاديث صحافية مرتجلة، وصناعة الأخبار، وفرض أجندته الإعلامية.

والمشهد نفسه يتكرر: سياسي داخل الطائرة، صحافيون يحيطون به، كاميرات تعمل، وإجابات يُراد لها أن تتحول إلى عناوين رئيسية قبل هبوط الطائرة.

ولكن بقي فارق صغير؛ تلك الطائرة لم تكن "إير فورس وان"، وراكبها أيضًا لم يصبح ترامب، مهما حاول تقليده.

لقد تعلّم قاليباف من ترامب درسًا مهمًا: أن السياسة ليست مجرد تنافس على البرامج، بل هي أيضًا صراع للسيطرة على المشهد.

غير أنه لم يتعلم الدرس الأهم: فالساسة لا يصنعهم الإطار الإعلامي، ولا صور "الميمز"، ولا الملابس غير الرسمية، ولا المؤتمرات الصحافية على ارتفاع آلاف الأمتار.

فترامب، سواء أحبه الناس أم كرهوه، نجح في بناء علامة سياسية خاصة به؛ أما قاليباف، فلا يزال يتنقل بين أدوار القائد العسكري، والطيار، والمدير "الجهادي"، والنسخة الإيرانية من ترامب، دون أن يستقر على هوية سياسية واحدة.