شهران من العزلة وخسائر بالمليارات و"إنترنت برو" يشعل الغضب.. إيران تغرق في "الظلام الرقمي"

لم يؤدِّ انقطاع الإنترنت في إيران إلى شلّ الحياة اليومية فحسب، بل ألقى أيضًا بظلال ثقيلة على انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء البلاد.

لم يؤدِّ انقطاع الإنترنت في إيران إلى شلّ الحياة اليومية فحسب، بل ألقى أيضًا بظلال ثقيلة على انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء البلاد.
وتقف إيران، يوم الاثنين 27 أبريل (نيسان)، على أعتاب اليوم الستين من الانقطاع الكامل عن الإنترنت العالمي.
وبحسب منظمة "نت بلوکس"، المعنية برصد ومراقبة اضطرابات الإنترنت حول العالم، فإن هذا الانقطاع غير المسبوق دخل يومه التاسع والخمسين بعد 1392 ساعة من انقطاع الاتصال، وغدًا الثلاثاء سيكون نهاية الشهر الثاني من هذا "الظلام الرقمي".
وخلال هذه الأسابيع الثمانية، تحوّل الإنترنت من أداة اتصال إلى سلاح اقتصادي واجتماعي.
وأشارت زهرا بهروز آذر، نائبة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، لشؤون المرأة، إلى عمق الأزمة، قائلة إن النساء كنّ الأكثر تضررًا من هذا الوضع، وإن العديد من أعمالهن المنزلية والصغيرة قد دُمّرت. ووصفت هذا الوضع بأنه "مفروض مثل الحرب"، مؤكدة أنه لا ينبغي إنكار الخسائر التي تم تكبّدها.
في حين اقترب انقطاع الإنترنت في إيران من 1400 ساعة، أثار منح وصول خاص لبعض الفئات الاجتماعية موجة من الاحتجاج والانتقاد.
وتشير الأرقام أيضًا إلى أهمية الوضع؛ إذ قدّر رئيس لجنة الاقتصاد المعرفي في غرفة التجارة الخسائر المباشرة اليومية بنحو 30 إلى 40 مليون دولار، والتي ترتفع إلى 70 إلى 80 مليون دولار يوميًا عند احتساب الخسائر غير المباشرة.
كما حذّر وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، ستار هاشمي، من أن استمرار هذا الوضع يهدد بشكل جدي فرص العمل المباشرة وغير المباشرة لنحو 10 ملايين شخص، نظرًا لأن متوسط قدرة تحمّل العديد من هذه الأعمال لا يتجاوز 20 يومًا.
وبعيدًا عن الأبعاد الاقتصادية، يواجه المجتمع حالة من الانقسام الاجتماعي العميق.
فبالنسبة للجيل الشاب، لا يُعدّ الإنترنت مجرد أداة، بل بمثابة "التنفس".
إن قطع الوصول إلى العالم استهدف الهوية الرقمية والتعليم وحتى الصحة النفسية للشباب. وتبلغ هذه التفرقة الاجتماعية ذروتها عندما يكون المسؤولون الحكوميون حاضرين على المنصات المحجوبة عبر "شرائح اتصال مميزة"، في حين تم حجب الوصول عن 90 مليون شخص.
وقال أحد المواطنين، في رسالة إلى "إيران إنترناشيونال"، بشأن انقطاع الإنترنت: "بمشقة كبيرة اشتريت إعداد اتصال باهظ الثمن لأتمكن من الوصول إلى الإنترنت. الغلاء مستشرٍ، وانقطاع الإنترنت شلّ حياتنا".
وفي خضم هذه الأزمة، طُرح مشروع بعنوان "إنترنت برو" أو "الخطوط البيضاء"، ما صبّ الزيت على نار الغضب الشعبي.
وأشارت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، إلى "اعتبارات" يُمنح بموجبها الإنترنت فقط لمن يستطيعون "نقل رؤية النظام".
وقد أثار هذا المشروع، الذي يعني عمليًا إضفاء طابع طبقي رسمي على الإنترنت، ردود فعل حادة.
واعتبر رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إيجئي، في إشارة إلى تقارير عن منح هذه الخطوط لأشخاص غير ذوي صلة مقابل مبالغ بعشرات الملايين من التومانات، أن ذلك "مثال على التمييز والفساد"، وأصدر أمرًا بالتحقيق في هذا المسار.
ردود فعل المنظمات والهيئات المدنية
كانت ردود فعل المؤسسات المدنية على هذا التمييز المنهجي حادة أيضًا.
فقد وصفت جمعية مصممي الغرافيك الإيرانية، في بيان لها، مشروع "إنترنت برو" بأنه مهين، وأكدت امتناعها عن تقديم طلب جماعي للحصول على هذا الامتياز الخاص.
وأكدت الجمعية على حق الوصول الحر للجميع، مشيرة إلى أنه رغم إمكانية تقديم الأعضاء طلبات فردية للحصول على هذا الإنترنت بتعرفة مضاعفة عشر مرات واستهلاك محدود، فإنها ستنشر أسماء المتقدمين من أجل الشفافية.
كما يرى المستخدمون هذا المشروع "إهانة لعقل الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي".
وفي حين تواصل الحكومة تنفيذ مشروع "السحابة الوطنية" على منصة "هواوي" سريعًا بهدف إتاحة إمكانية قطع الإنترنت العالمي بشكل دائم، ينظر الرأي العام إلى هذه الخطوة ليس كضرورة أمنية، بل باعتبارها "احتجاز أمة رهينة لاحتكار الروايات الرسمية".
وبحسب تقرير "اقتصاد نيوز"، طُرح مشروع "إنترنت برو" في وقت تصاعدت فيه التكهنات بشأن حجم تدفقاته المالية الضخمة.
ونظرًا للتعريفات الباهظة التي تصل إلى عشرة أضعاف لهذا النوع من الوصول، من المتوقع أن توفّر هذه السوق الريعية تدفقات مالية تُقدّر بآلاف المليارات من التومانات لصالح مشغّلين محددين وجهات وسيطة.
ويشير التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه التدفقات المالية ناتج عن حالة الاضطرار التي تعيشها الشركات، والتي تضطر لقبول هذه التعريفات غير العادلة من أجل البقاء.
وأكد موقع "اقتصاد نيوز" أن هذا النموذج الربحي القائم على القيود يُعدّ عمليًا مكافأة على تقييد الفضاء الرقمي، وأن الأرباح الناتجة عنه تقلل بشكل كبير من الحوافز الاقتصادية لرفع الحجب والعودة إلى الأوضاع الطبيعية.