فقد كان سياسيًا حاضرًا لأكثر من أربعة عقود في المسارات الرئيسية لصنع القرار، من الحرس الثوري ووسائل الإعلام الرسمية إلى البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي.
وكان لاريجاني، الذي قُتل بالقرب من طهران، يوم الثلاثاء 17 مارس (آذار)، حسب إعلان إسرائيل، شخصية جمعت بين عدة خصائص نادرة: ضابط سابق في الحرس الثوري ذي خبرة أمنية، خريج الرياضيات وعلوم الحاسوب، درس الفلسفة تحت إشراف أحمد فرديد (فيلسوف إيراني بارز)، وكان مديرًا إعلاميًا موثوقًا لدى علي خامنئي، كما أنه سياسي تعرض لانتقادات الإصلاحيين وفقد ثقة الأصوليين، حتى أن مجلس صيانة الدستور رفض تأهيله للترشح للرئاسة.
تلك التناقضات جعلت منه أحد أكثر اللاعبين تعقيدًا في النظام الإيراني.
عند عودته إلى الساحة الانتخابية، لم يعلن ترشحه مباشرة، بل نشر صورة رسومية تلمح إلى انتقاله من مقر خامنئي نحو وزارة الداخلية ثم العودة إلى مبنى الرئاسة بالقرب من قيادة البلاد، في محاولة لعرض نفسه ليس كمرشح عادي، بل «كأنه من داخل نواة السلطة».
من نجف إلى قم.. أسرة في قلب السلطة
وُلد علي أردشير لاريجاني في 3 يونيو (حزيران) 1958 في مدينة النجف، التي كانت مركزًا رئيسيًا للمرجعية الشيعية وملتقى للشبكات الدينية الإيرانية والعراقية.
وشكّلت نشأته في مدينة قم، ودراسته للرياضيات وعلوم الحاسوب في جامعة شريف، ثم الفلسفة في جامعة طهران، مسارًا غير معتاد لشخص أصبح لاحقًا أحد الوجوه الأمنية والسياسية البارزة في النظام الإيراني.
وأضافت الدراسة تحت إشراف أحمد فرديد بُعدًا فلسفيًا معقدًا؛ حيث أثر في الفكر الأيديولوجي لبعض المسؤولين في النظام. هذا الجمع بين التعليم الفني والتفكير الفلسفي أتاح أمام لاريجاني التحدث بلغة الحساب والإحصاء والتكنولوجيا، وفهم لغة النظام الأيديولوجية في الوقت نفسه.
كما ربطه زواجه من فريدة، ابنة مرتضى مطهري (مفكر وفيلسوف ومرجع ديني شيعي)، بأحد أهم العائلات الفكرية في إيران، ما عزز موقعه في شبكة النفوذ والفكر الثوري.
من الإعلام الرسمي إلى الحرس الثوري: بداية المسار في النظام الإيراني
دخل علي لاريجاني بسرعة إلى هيكل السلطة الرسمي بتوصية من مرتضى مطهري.
فمن أواخر عام 1980 وحتى صيف 1981، شغل منصب المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، في فترة قصيرة، وكان هذا أول دور مهم له في النظام الإيراني، مما أظهر قربه من شبكات صنع القرار الرئيسية منذ السنوات الأولى للثورة.
لكن العمود الفقري لهويته السياسية تشكّل في الثمانينيات عندما انضم إلى الحرس الثوري.
وانضم لاريجاني إلى الحرس الثوري عام 1982، وصعد فيه حتى عام 1992، شاغلاً مناصب عليا بما في ذلك نائب قيادة الحرس ونائب رئيس هيئة الأركان العامة للحرس.
ومع ذلك، كان مساره، مثل بعض القادة من جيله، مائلاً أكثر نحو الأدوار الإدارية والتخطيطية والتنظيمية بدل الاعتماد على الإنجازات الميدانية في الحرب، ما جعله لاحقًا أشبه بـ «استراتيجي أمني» أكثر من كونه قائدًا عمليًا.
ومن أبرز تفاصيل مسيرته خلال هذه الفترة: رئاسته لمجلس إدارة «منظمة الجهاد الاكتفائي للحرس الثوري» عند تأسيسها عام 1991، والتي أصبحت لاحقًا مركزًا مهمًا للمشاريع الفنية والعسكرية والبنية التحتية للحرس، وشهدت تطوير العديد من برامج الصواريخ ضمن هيكلها.
وهذا الجزء من مسيرة لاريجاني، الأقل ظهورًا مقارنة بفترة الإعلام أو البرلمان، كان من المهم سرده، لفهم مكانته الحقيقية في البنية الأمنية للنظام الإيراني؛ فهو لم يكن مجرد مدير سياسي، بل كان حاضرًا بشكل مباشر في أحد أبرز عقد «الاكتفاء العسكري للحرس الثوري».
وزير الثقافة ورئيس الإذاعة والتلفزيون.. الشخصية التي وثق بها خامنئي
بعد تأسيس منظمة جهاد الاكتفاء الذاتي التابعة للقوات البرية في الحرس الثوري الإيراني، قدّم محمد خاتمي استقالته من وزارة الثقافة والإرشاد في حكومة الرئيس الإيراني الأسبق، هاشمي رفسنجاني، وعيّن هاشمي لاريجاني خلفًا له، وهو اختيار لم يكن متوقعًا بالنظر إلى خلفيته الثقافية.
باستثناء فترة قصيرة في الإعلام، لم يكن لدى لاريجاني خبرة كبيرة في الثقافة والفن، لكنه اتخذ خلال فترة وزارته قرارًا رمزيًا مهمًا: رفع الحظر عن استخدام أجهزة الفيديو، وهو إجراء اعتُبر حينها علامة على نوع من العمل الثقافي البراغماتي ضمن الإطار البنيوي للنظام.
وفي فبراير (شباط) 1994، أصدر خامنئي قرارًا مفصلاً بتعيينه رئيسًا لهيئة الإذاعة والتلفزيون، واستمر في المنصب حتى 2005، ما أظهر الثقة الطويلة التي حظي بها من المرشد الراحل.
لم يكن لاريجاني مجرد معيّن من قبل المرشد، بل كان أحد المديرين الذين استثمر خامنئي فيهم سياسيًا، واحتفظ به لسنوات في أحد أهم الأجهزة للتحكم بالرأي العام.
وفي فترة رئاسته، لم تكن الإذاعة والتلفزيون مجرد وسيلة إعلامية رسمية، بل أداة رئيسية للنظام في هندسة الرأي العام، والسيطرة على الروايات المنافسة، وتثبيت «خطاب القيادة».
وخلال ولايته، عُرض برنامج «الهوية»، الذي اعتُبر من قِبل الكثيرين أول شكل متكامل لـ «الاعترافات التلفزيونية» في عهد خامنئي.
وحاول لاريجاني لاحقًا نسب مسؤولية البرنامج إلى مرؤوسيه، لكن كشف نائب رئيس الإذاعة في ذلك الوقت، أحمد بورنجاتی، أظهر أن لاريجاني شارك شخصيًا مع سعيد إمامي في المشروع ولعب دورًا مباشرًا في تنفيذه.
كما أن عرض مشاهد من مؤتمر برلين في عهده أصبح نقطة فارقة في مواجهة الإعلام الرسمي مع التيار الإصلاحي، ما جعل آثار تدخلاته على الإصلاحيين حقيقية ودائمة.
البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي.. تثبيت في صدارة السلطة
بعد انتهاء فترة رئاسته للإذاعة والتلفزيون، أصبح علي لاريجاني أحد ممثلي خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي، وفي سبتمبر (أيلول) 2005 عُين أمينًا للمجلس بقرار من الرئيس الإيراني آنذاك، محمود أحمدي نجاد.
وهنا بدأ دور لاريجاني الأمني والسياسي يدخل مرحلة جديدة، إذ أصبح مسؤولاً عن الملف النووي والمفاوضات مع الغرب، لكن فترة أمانته كانت قصيرة، واستقال في أكتوبر (تشرين الأول) 2007 بسبب خلافه مع أحمدي نجاد.
كانت تلك أقصر فترة أمانة للمجلس الأعلى للأمن القومي في النظام الإيراني.
ومع ذلك، لم تعنِ استقالته خروجه من دائرة السلطة؛ بل وصل إلى ما يُعرف بـ «الموقع الاحتياطي في نواة النظام»، شخصية يمكن اللجوء إليها لإدارة الأزمات متى لزم الأمر.
وتثبّت هذا الدور في السنوات التالية، خصوصًا خلال رئاسته الطويلة للبرلمان الإيراني.
في انتخابات البرلمان الثامن والتاسع والعاشر، دخل لاريجاني كل مرة من محافظة قم، وشغل منصب رئيس البرلمان في كل ثلاث دورات، ما جعل منه خلال 12 عامًا أحد أهم الوسطاء بين الحكومة وقيادة النظام الإيراني والحرس الثوري والمؤسسات الأخرى.
وفي عهده، كان البرلمان يخدم إرساء السياسات الأمنية والاقتصادية للنظام، وكان أيضًا مساحة لضبط التوترات الداخلية بين أركان السلطة.
ويُعد دوره في التصويت على الاتفاق النووي 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة (مثالاً واضحًا على هذا الأداء؛ فقد فهم الاتفاق ليس كأداة للتغيير السياسي، بل كوسيلة لـ «شراء الوقت، تقليل الضغط، والحفاظ على النظام».
ليس محبوبًا لدى الإصلاحيين.. ولا موثوقًا لدى المحافظين المتشددين
كان أحد جوانب شخصية علي لاريجاني السياسية أنه في سنواته الأخيرة كان تقريبًا تحت الضغط من كلا الجانبين. لم يعتَبِر الإصلاحيون دوره في الإذاعة والتلفزيون، ودعمه للرواية الرسمية بعد الاحتجاجات، وتعاونه مع هيكل القمع، أنه يمثلهم بالكامل.
ومن جهة أخرى، بدأ المحافظون المتشددون يشكّون فيه تدريجيًا بسبب براغماتيته، ودعمه للاتفاق النووي، وابتعاده عن أحمدي نجاد، وتقاربه النسبي مع بعض الشخصيات الوسطية، واعتبروه «مشبوهًا وغير موثوق».
وبلغ هذا التناقض ذروته في انتخابات 2021، حين رفض مجلس صيانة الدستور تأهيله للترشح، رغم أنه كان أحد أقدم المعينين من خامنئي في هيكل السلطة، وكان أخوه صادق لاريجاني عضوًا في المجلس نفسه.
لم يكن رفضه مجرد حدث انتخابي، بل كان مؤشرًا على أن جزءًا من النظام حتى مع أحد أبنائه الأوفياء والقدامى يمكن أن يصل إلى مرحلة الإقصاء.
وبعد رفض تأهيله، لم يتراجع لاريجاني وأصرّ على إعلان الأسباب. وفي النهاية، أدى نشر رسالة منسوبة إلى أحمد جنتي (رئيس مجلس خبراء القيادة) توضح أسباب الرفض إلى أزمة سياسية بحد ذاتها.
ومن الأسباب الأخرى المذكورة لرفضه: إقامة أحد أبنائه في الولايات المتحدة، وإقامة أحد أقاربه المباشرين في بريطانيا، وتدخل أحد الأبناء في عقود البرلمان، إضافة إلى أن جامعة إيموري في أميركا قامت بطرد ابنة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي.
العودة مجددًا إلى دوائر السلطة
بعد عودته إلى المشهد السياسي كأمين للمجلس الأعلى للأمن القومي، تثبّت لاريجاني أكثر من أي وقت مضى في موقع «مدير الأزمات» داخل هيكل النظام الإيراني. وهو دور ظهر في القمع، وفي هندسة الرواية الرسمية، وفي الدبلوماسية.
وفي الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، كان ضمن صناع القرار الأمني، وساهم في تنسيق وتثبيت الرد القاسي للنظام في إطار تعريف الاحتجاجات كـ «تهديد لاستقرار النظام»، رغم أنه لم يُسجّل له دور مباشر في القيادة الميدانية.
كما شارك في مشاريع مثل «بطاقات SIM البيضاء» والإنترنت الطبقي، التي هدفت إلى توفير وصول محدود ومراقب للمعلومات وإدارة الرواية خلال الأزمات، وكان أحد اللاعبين الرئيسيين ضمن البنية الكبرى للسيطرة على المعلومات.
وخلال الهجمات الأخيرة من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، أصبح لاريجاني شخصية محورية في «غرفة الحرب»، منسقًا بين الردود العسكرية، والاعتبارات الدبلوماسية، والسيطرة على الفضاء الداخلي، وهو دور اكتمل بوجوده في قنوات التفاوض غير المباشرة مع أمريكا.
مدير أزمات لا مصلح
خارج إيران، وُصِف لاريجاني في سنواته الأخيرة أحيانًا بأنه شخصية «وسطية» أو «براغماتية»، لكن هذه التسمية كانت مضللة عند النظر بدقة إلى سجله.
ولم يكن إصلاحيًا بالمعنى الحقيقي، ففي كل القضايا الجوهرية للنظام الإيراني، من «الدفاع عن ولاية الفقيه إلى الحفاظ على تماسك النظام والتحكم بالاحتجاجات»، بقي ضمن النواة الصلبة للسلطة.
وما ميّزه عن بعض منافسيه لم يكن الابتعاد عن النظام، بل المهارة في إدارة التكاليف. فهو ممثل لجيل من مديري النظام الإيراني الذين يدافعون عن الأهداف التقليدية باستخدام لغة الحساب، والإحصاء، والمصلحة، و«المنافع الوطنية» بدل لغة الشعارات.
لذلك، كان يبدو للغرب «قابلاً للتفاوض» ولخامنئي «موثوقًا».
وبهذا، وصل لاريجاني في سنواته الأخيرة إلى وضعية متناقضة: قوة سياسية قابلة للتفاوض من الخارج، وموثوقة وفعّالة ضمن النواة الصلبة للسلطة.
أهمية مقتله
لم يكن مقتل علي لاريجاني مجرد إزالة سياسي مخضرم، بل كان أحد آخر الشخصيات التي جمعت عدة أنواع من رأس المال: رأس المال العائلي في بيوت العلماء، رأس المال الأمني في الحرس الثوري، رأس المال الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون، رأس المال السياسي في البرلمان، ورأس المال الفكري في الفلسفة والنظرية.
وقد يغيّر إقصاؤه التوازن الداخلي للنظام الإيراني لصالح قوى تعطي أقل أهمية للتكاليف الاقتصادية والدبلوماسية، وتفكر أكثر بمنطق الانتقام، والردع من خلال تصعيد الصراع، والتماسك الأيديولوجي.
وفي غياب شخص يمكنه التوسط بين الكتل المتضاربة داخل النظام، قد تصبح عملية اتخاذ القرار في طهران أكثر تفككًا، وأكثر خطورة، وأقل قابلية للتنبؤ.