وأضافت الصحيفة أن السلطات الإيرانية أجبرت المتظاهرين وعائلات القتلى على الادعاء كذبًا بأن الضحايا كانوا من عناصر "الباسيج".
وكتبت "تايمز أوف إسرائيل"، في تقريرها الصادر يوم الثلاثاء 27 يناير (كانون الثاني)، أن هذا الإصرار من جانب النظام الإيراني على "هذه الادعاءات الكاذبة يهدف إلى تبرير الاستخدام الواسع للقوة المميتة ضد المتظاهرين"، وهو ما يتطابق مع تقارير صادرة عن الأمم المتحدة.
وقال أحد سكان طهران في رسالة صوتية باللغة الفارسية: "تُجبر العائلات على دفع ثمن الرصاص المستخدم (في قتل أقاربهم)، أو يُملى عليهم متى وأين يمكنهم دفن الجثمان، أو حتى يُجبرون على الظهور في التلفزيون الحكومي والكذب والادعاء بأن الضحية كان عنصرًا في الباسيج قُتل على يد المتظاهرين".
وتتعلق رواية أخرى بسعيد غلسرخي، وهو رجل يبلغ من العمر 31 عامًا من مدينة شاهرود، شمال شرقي إيران، أُصيب برصاص في 9 يناير خلال الاحتجاجات الواسعة.
وقال أحد أقاربه في رسالة إنه بينما كان غلسرخي يتلقى العلاج من جراحه، اقتحمت القوات الأمنية المستشفى الذي كان يُعالج فيه لاعتقال المتظاهرين الجرحى، لكنه تمكن من الفرار إلى منزل والدته.
وأضاف أنه بعد أيام قليلة، داهمت القوات الأمنية المنزل، واعتقلت غلسرخي، واعتدت عليه بالضرب، وضغطت عليه لتوقيع أوراق تفيد كذبًا بأنه عنصر في "الباسيج"، كي تتمكن السلطات الإيرانية من الادعاء أنه تعرّض للهجوم من قِبل المتظاهرين لا من قبل القوات الحكومية.
وبحسب هذا القريب، وعندما رفض غلسرخي التوقيع، أطلقت القوات الأمنية النار على رأسه وظهره.
وأظهرت صور صادمة أُرسلت إلى نشطاء واطلعت عليها "تايمز أوف إسرائيل" جسد غلسرخي وقد غطته الكدمات الشديدة، مع ثقب ناتج عن إصابة بطلق ناري في عينه اليمنى وفي الجزء العلوي من جسده.
وأضافوا أن أحد أشقاء غلسرخي اعتُقل الأسبوع الماضي بعد أن أمضى أيامًا متخفيًا، ولا يزال مصيره مجهولاً.
كما نقل أحد أقارب محمد زارع، البالغ من العمر 40 عامًا من أصفهان، والذي قيل إنه قُتل برصاص حي أطلقه عناصر من الحرس الثوري، تجربة مماثلة لأحد النشطاء المقيمين في بريطانيا.
وقال إن الحرس الثوري اتهم زارع في البداية بالارتباط بتنظيم داعش، وطالب العائلة بدفع المال مقابل تسليم الجثمان، لكن عندما لم يُعثر على أي دليل يثبت هذه التهمة، قامت وسائل الإعلام الرسمية بتقديمه كذبًا على أنه "شهيد" وعنصر في "الباسيج" قُتل خلال الاحتجاجات.
وقال أحد سكان طهران، الذي عُرف باسم مستعار هو "أمير"، إن النظام "يحاول إظهار كل شيء على أنه طبيعي والادعاء بأن شيئًا لا يحدث، لكن الواقع مختلف تمامًا".
وأضاف: "هذا الظلم بعد الموت أشد إيلامًا حتى من القتل نفسه".
واستشهدت "تايمز أوف إسرائيل" بتقارير "إيران إنترناشيونال" التي أفادت بأن قوات النظام الإيراني طلبت أموالاً قبل تسليم جثامين المتظاهرين القتلى، وأن مراقبي حقوق الإنسان قالوا إن السلطات تعرض أحيانًا تسليم الجثث مجانًا إذا قبلت العائلات إصدار بطاقة عضوية في "الباسيج" للضحية بعد وفاته.
ونقلت الصحيفة عن نشطاء وخبراء قولهم إن كلاً من الاحتجاجات المناهضة للنظام، التي اندلعت في أواخر ديسمبر (كانون الأول) في أنحاء البلاد، وردّ النظام القاتل عليها، كانا غير مسبوقين من حيث الحجم واستخدام القوة المميتة.
وفي بيان صدر في 15 يناير، أعلن مجلس تحرير "إيران إنترناشيونال"، استنادًا إلى أدلة وروايات جديدة، أن حجم العنف الذي مارسته قوات القمع التابعة للنظام الإيراني خلال الاحتجاجات تجاوز التقديرات الأولية، وأن أكثر من 36 ألفًا و500 شخص قُتلوا في هذا القمع المنهجي بأوامر من المرشد علي خامنئي.
وتُظهر المعلومات الواردة إلى "إيران إنترناشيونال" صورة أوضح لأساليب القمع، والانتشار الجغرافي للاشتباكات، وسلوك القوات الأمنية، بما في ذلك الإعدامات دون محاكمة، وإطلاق رصاص الرحمة على الجرحى، والتدخل المباشر للقوات الأمنية في المراكز الطبية.
وبحسب "أمير"، يواصل النظام قمع منتقديه وتعطيل الحياة اليومية.
وقال في رسالته الصوتية: "عندما تخرج إلى الشارع، يكون كل شيء تحت السيطرة الكاملة. إذا لاحظت القوات الأمنية أي أمر مشبوه، تفحص هاتفك، وحتى أبسط الأشياء قد تعرّضك لخطر جسيم".
وطالب أمير المجتمع الدولي بالتدخل للدفاع عن معارضي النظام، متسائلاً: "لا أفهم متى ينوون فرض عقوبات على الحرس الثوري.. إلى متى يجب الانتظار؟ الشعب الإيراني بحاجة ماسة إلى دعم خارجي. كل ساعة تأخير تعني مزيدًا من الاعتقالات والتعذيب والقتل".
كما دعت "آوا"، وهي امرأة تبلغ من العمر 33 عامًا من طهران، في رسالة صوتية أخرى أُرسلت، يوم الاثنين 26 يناير، إلى أحد النشطاء، إلى تقديم مساعدة خارجية.
وقالت: "أملنا الوحيد الآن- لأن الولايات المتحدة على ما يبدو لا تفعل شيئًا-أنتم. أنتم أملنا الوحيد".
وأضافت بصوت مرتجف أن تبعات الاحتجاجات في المدن الصغيرة كانت أسوأ حتى مما شهدته العاصمة، قائلة: "ما رأيته في طهران يختلف عما قيل لنا عن المحافظات والمدن الصغيرة، لأنهم في طهران، وبسبب طبيعة القوات الموجودة، لم يتمكنوا من السيطرة على الاحتجاجات بهذا المستوى من العنف".
وأضافت: "في مدن صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 20 أو 30 ألف نسمة، قُتل مثلاً ألف شخص، أو 700 إلى 800. سمعنا ورأينا أشياء كانت حقًا أبعد من مجرد مجزرة جماعية. كان الأمر مروعًا.. مروعًا للغاية".
ونقلت "تايمز أوف إسرائيل" عن ناشط مقيم في كندا أن طبيبًا إيرانيًا في أصفهان أفاد بمقتل مئات الأشخاص في المناطق المحيطة، وباستمرار جرائم النظام في هذه المدينة.
وبحسب رواية هذا الطبيب: "هاجمت قوات النظام المستشفى، ودخلت غرف العمليات، وعندما حاول الأطباء والممرضون منعهم من سرقة جثة (أحد المتظاهرين)، أطلقوا النار عليهم أيضًا. جاء المزيد منهم وأخذوا الجثث. لم نفقد متظاهرين فقط، بل فقدنا أيضًا أطباء وموظفين أكفاء في المستشفى".
وقالت آوا إن النظام قمع الاحتجاجات بالكامل، وإن المساعدة الخارجية هي الأمل الوحيد للشعب الإيراني للنجاة.
وأضافت: "قولوا لهم إنه لم يعد بوسعنا فعل أي شيء داخل إيران. لا شيء.. قُتل عدد كبير من الناس لدرجة أن أحدًا لم يعد يجرؤ. الخروج إلى الشارع يعني الانتحار. لم يعد الأمر مسألة شجاعة. تخرجون فيقتلونكم فورًا، ولا يسألون حتى لماذا خرجتم".