تلقت "إيران إنترناشيونال" عددًا كبيرًا من مقاطع الفيديو، والروايات الصوتية، والتقارير المكتوبة، تُظهر كيف تُجمع جثامين المتظاهرين الذين قُتلوا في الاحتجاجات الأخيرة، وتُحفظ، ثم تُسلَّم تحت إجراءات أمنية مشددة.
وعلى الرغم من قطع الإنترنت الشامل، الذي تجاوز أسبوعًا، وما سبّبه ذلك من صعوبات في التحقق المستقل في بعض الحالات، قامت "إيران إنترناشيونال" بمراجعة الأجزاء الرئيس من هذه المعلومات عبر مطابقة الصور، وشهادات شهود العيان، ومقارنة وتطابق التقارير الواردة من عدة مدن، وتأكدت من صحتها.
وكان مجلس تحرير "إيران إنترناشيونال" قد أعلن، في بيان سابق، أنه في أكبر مجزرة في تاريخ إيران المعاصر، قتلت قوات قمع النظام الإيراني، في ليلتين متتاليتين، الخميس والجمعة 8 و9 يناير (كانون الثاني)، ما لا يقل عن 12 ألف شخص.
المشارح تحت سيطرة القوات الأمنية
تُظهر مقاطع فيديو أكدت "إيران إنترناشيونال" صحتها استمرار نقل جثامين الإيرانيين القتلى إلى مجمع الطب الشرعي في كهريزك جنوب طهران.
وفي أحد هذه المقاطع، العائد إلى يوم الأربعاء 14 يناير، تظهر عشرات الجثامين موضوعة على الأرض داخل قاعات كبيرة تشبه المخازن في هذا المجمع.
ويُشاهد في المقطع نفسه شاحنة تقوم القوات الأمنية بتفريغ المزيد من الجثامين منها.
كما تفيد مقاطع وتقارير مماثلة وردت من طهران ومشهد وأصفهان ورشت باحتجاز أعداد كبيرة من الجثامين في مراكز الطب الشرعي والمستشفيات.
وبحسب تقارير ميدانية، تخضع المشارح والمستشفيات لإجراءات أمنية مشددة، وتكون السيطرة الكاملة على الوصول إلى هذه المواقع بيد القوات الأمنية التابعة للنظام الإيراني الإيراني.
وقالت عائلات توجهت إلى هذه المراكز بحثًا عن معلومات حول أقاربها المفقودين إن الأجواء فوضوية، مع طوابير طويلة وغياب للتواصل الفعّال.
الضغط على العائلات
أفادت عدة مصادر لـ "إيران إنترناشيونال" بأن العائلات التي تسعى لاستلام جثامين أقاربها تواجه الترهيب والضغط من قِبل القوات الأمنية، بمن في ذلك عناصر بلباس مدني وأفراد من الحرس الثوري.
وبحسب التقارير، داهمت قوات الأمن منازل عائلات الضحايا وحتى منازل جيرانهم، وفتشت الهواتف المحمولة، ووجهت إهانات لفظية لأفراد العائلة، وفي بعض الحالات أطلقت النار على الجدران خلال مداهمات ليلية.
وقالت المصادر إن السلطات أبلغت العائلات بأن تسليم الجثامين يتم فقط في الساعات الأولى من الفجر، وأن مراسم الدفن يجب أن تُقام بشكل فردي، وأن تنتهي بحد أقصى عند الساعة الرابعة فجرًا.
كما أفادت بعض العائلات بأنها تلقت تحذيرات بأنه في حال عدم قبول هذه الشروط، ستُدفن جثامين أحبّائهم دون موافقتهم وبشكل جماعي.
دفع ثمن الرصاص
من أكثر النقاط تكرارًا، في الروايات الواردة إلى "إيران إنترناشيونال"، مطالبة العائلات بدفع أموال مقابل تسليم جثامين القتلى.
وبحسب مصادر متعددة، تُبلغ السلطات العائلات بضرورة دفع تكلفة كل رصاصة استُخدمت في قتل ذويهم. وتتراوح المبالغ المطلوبة، بحسب كل ملف، بين 70 و250 مليون تومان عن كل رصاصة.
وباحتساب سعر الصرف الحالي، تعادل هذه المبالغ تقريبًا بين 480 و1720 دولارًا. وفي ظل ظروف يُقدَّر فيها متوسط الدخل الشهري للعامل في إيران بأقل من 100 دولار، فإن دفع هذه المبالغ يُعد عمليًا مستحيلًا بالنسبة لكثير من العائلات.
وكانت سلطات النظام الإيراني قد استخدمت هذا الأسلوب أيضًا في قمع احتجاجات سابقة، إلا أن مصادر مطلعة تقول إن تطبيقه خلال الانتفاضة الأخيرة جرى بشكل غير مسبوق وعلى نطاق أوسع.
العضوية القسرية في "الباسيج"
أفادت عدة عائلات بأن الأجهزة الأمنية ضغطت عليها لتقديم أقاربها القتلى على أنهم أعضاء في قوات "الباسيج".
وبحسب تقارير منظمات حقوقية ومصادر مطلعة، أُبلغت العائلات بأنه في حال موافقتها على إصدار بطاقة عضوية في "الباسيج" لذويها، سيتم تسليم الجثامين دون تحصيل أي مبالغ.
وذكر فريق "دادبان" الحقوقي أنه في عدة مدن، رُبط تسليم الجثامين مجانًا بموافقة العائلات على الادعاء بأن أقاربهم كانوا من عناصر "الباسيج" وقُتلوا على أيدي المتظاهرين.
وترى منظمات حقوق الإنسان أن هذا الإجراء يُعد فرض هوية مزيفة ومحاولة لرفع الأرقام الرسمية لخسائر قوات الأمن التابعة للنظام الإيراني، في إطار تعزيز رواية الحكومة بشأن وجود "عناصر إرهابية" في الاحتجاجات.
ضغوط شديدة على المراكز الطبية
تُظهر الروايات الواردة إلى منصة "توانا" للمجتمع المدني حجم الضغوط الهائلة المفروضة على المستشفيات. فالأعداد الكبيرة من جرحى إطلاق النار وجثامين القتلى وضعت المراكز الطبية في حالة أزمة، فيما تتدخل القوات الأمنية مباشرة لمنع تسليم الجثامين أو إقامة مراسم الدفن.
وبحسب إحدى الروايات، داهمت القوات الأمنية منازل عائلات نجحت في استلام جثامين أحبّائها.
وتشير رواية أخرى إلى انتحار ممرضة، إذ أفاد التقرير بأنها أقدمت على إنهاء حياتها بعد تعرضها لضغط نفسي شديد، إثر مشاهدتها الأعداد الكبيرة من المتظاهرين القتلى.
كما تفيد رسائل واردة من أصفهان بوقوع مجازر واسعة، واعتقالات جماعية، وامتناع السلطات عن تسليم جثامين الضحايا.
وفي العديد من أحياء المدينة، قُتل شخص واحد على الأقل، وبالتوازي أُغلقت المتاجر في أجواء يسودها الخوف والغضب.
قمع الحداد
يبدو أن القيود التي تفرضها السلطات على مراسم تشييع ودفن القتلى تهدف إلى منع تحوّل الحداد العام إلى بؤرة لاحتجاجات جديدة.
وأفادت بعض العائلات بأنها أُجبرت على دفن ذويها بسرعة، في صمت، وتحت مراقبة قوات الأمن التابعة للنظام الإيراني الإسلامية.
وقال آخرون إنهم تلقّوا أوامر بعدم التحدث علنًا أو نشر الصور، فيما تحدثت عائلات أخرى عن استمرار المراقبة والمتابعة حتى بعد الدفن.
وبالنسبة لكثير من العائلات الثكلى، حوّل هذا المسار الحزنَ الشخصي إلى معاناة طويلة الأمد؛ معاناة تمتزج بالخوف، والضغط المالي، والتهديد بالمحو والإنكار.