وتُظهر مراجعة "إيران إنترنشنال" أن العمود الفقري لآلية إنفاق النظام الإيراني بقي من دون مساس، وأن المؤسسات الأيديولوجية الخاضعة لإشراف المرشد الإيراني ما زالت في مأمن.
ورغم أن بعض البنود لا تشهد زيادات رسمية، فإنه لا يوجد أيضًا أي خفض ذي دلالة؛ وكأن هذه البنود مُعرَّفة أصلًا خارج متناول أي حكومة.
يأتي ذلك في وقت كان فيه بزشکیان نفسه قد قال صراحةً في أغسطس، خلال اجتماع مع مديري وسائل الإعلام: "لدينا من المؤسسات والهيئات ما لا يُحصى، بلا أي مخرجات، ونمنحها الأموال. لماذا يجب أن ندفع لها، في حين أننا لا نستطيع تأمين معيشة المواطنين؟"
لكن المشروع الذي قُدِّم الآن إلى البرلمان الإيراني يُظهر أن هذه الانتقادات بقيت في إطار الشعارات أكثر مما تحولت إلى أساس لصنع السياسات.
وتُبيّن نظرة إلى أرقام الموازنة بوضوح أن توازن القوى ما زال محفوظًا لصالح المؤسسات الخاضعة لإشراف علي خامنئي والبنية الأيديولوجية للنظام، لا لصالح الحياة اليومية للمواطنين.
في صدارة هذه القائمة يأتي "مقر بقيةالله"، وهي مؤسسة يُعلَن أن نشاطها "ثقافي–اجتماعي"، وتحصل على موازنة قدرها 2178 مليار تومان.
يُعيَّن قائد هذا المقر مباشرةً من قبل المرشد الإيراني، وقد تجاوز دوره المحوري في ما يُسمّى "الحرب الناعمة" منذ سنوات حدود النشاط الثقافي.
قائد هذا المقر هو محمد علي جعفري، القائد السابق للحرس الثوري.
وتُشير شبكة المؤسسات التابعة لهذا المقر، من "خاتم الأوصياء" ذات المكاتب الإقليمية لرصد والتواصل مع المؤسسات المسماة "الشعبية الذاتية"، وصولًا إلى تنظيم "نشطاء الفضاء الافتراضي" ضمن منظمة "سراج"، إلى وجود بنية واسعة وغير شفافة ومتعددة الطبقات.
هذه البنية، بموازنة تبلغ 2178 مليار تومان، لا تخضع للمساءلة ولا للرقابة العامة، لكنها تحولت عمليًا إلى ذراع للسيطرة الاجتماعية والرقمية للسلطة.
وبحسب المعلومات المتاحة، يتولى "مقر بقيةالله" أيضًا مهمة تدريب وتنظيم جزء من القوات السيبرانية التابعة للنظام الإيراني في الفضاء الافتراضي؛ وهو مجال يتعارض مباشرةً مع حرية التعبير وحقوق المواطنين.
إلى جانب هذا المقر، تحصل "منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية"، التابعة لوزارة الإرشاد، على 2156 مليار تومان؛ وهي مؤسسة يتمثل دورها، أكثر من كونه ثقافيًا، في الترويج الرسمي لخطاب النظام الإيراني خارج البلاد.
كما تحصل "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية" على 150 مليار تومان، و"المجمع العالمي لأهل البيت" على 259 مليار تومان؛ وهي مؤسسات مرتفعة الكلفة، لكن أثر مخرجاتها الملموس في تحسين أوضاع الشعب الإيراني يكاد يكون معدومًا.
وقد خُصص ما مجموعه 860 مليار تومان لثلاث مؤسسات هي "العتبة المقدسة للإمام الخميني"، و"مركز أبحاث الإمام الخميني والثورة الإسلامية"، و"مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني"، وجميعها تُدار تحت إشراف حسن الخميني، حفيد روح الله الخميني.
وقد تعرّضت موازنات هذه المؤسسات الثلاث طوال السنوات الماضية لانتقادات واسعة، إلا أن مخصصاتها المالية زادت عامًا بعد عام.
أما "مؤسسة سعدي"، التابعة لغلام علي حداد عادل، والد زوجة مجتبى خامنئي، فتحصل على 116 مليار تومان من الموازنة العامة؛ وهو مثال واضح على تداخل السلطة السياسية والعلاقات العائلية والموارد المالية العامة، الذي أصبح أمرًا اعتياديًا في بنية النظام الإيراني.
لكن القسم الأكبر من الموازنات الضخمة يُخصص للمؤسسات الحوزوية، حيث تقفز الأرقام بشكل لافت.
فقد خُصص نحو ألف مليار تومان لـ"مكتب الدعاية الإسلامية في حوزة قم"، و7450 مليار تومان لـ"المجلس الأعلى للحوزات العلمية"، و929 مليار تومان لـ"مجلس تخطيط وإدارة حوزات خراسان العلمية".
أما "مركز خدمات الحوزات العلمية" فهو لغز بحد ذاته؛ إذ تبلغ موازنته الضخمة 16420 مليار تومان، وهو كيان خاضع مباشرةً للمرشد الإيراني.
وقد أُنشئ هذا المركز عام 1991 بأمر من خامنئي، بهدف "تأمين رفاهية طلاب العلوم الدينية في مجالات السكن والتأمين والقروض الحسنة" وما شابه ذلك.
وتحصل "المؤسسة التعليمية والبحثية للإمام الخميني"، التابعة لمصباح يزدي، على 441 مليار تومان، فيما خُصص لـ"منظمة الدعاية الإسلامية" مبلغ 6673 مليار تومان.
هذه الأرقام ليست استثناءً ولا خطأً، بل تعكس قاعدة ثابتة في إعداد موازنات النظام الإيراني، حيث تحظى المؤسسات الأيديولوجية دائمًا بالأولوية على الرفاه العام والخدمات الاجتماعية.
وتدير "منظمة الدعاية الإسلامية" وحدها شبكة تضم 12 مؤسسة تابعة، لكل واحدة منها بند موازنة مستقل؛ تبدأ من "مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية للثورة الإسلامية"، التابعة لمكتب المرشد الإيراني، بميزانية قدرها 350 مليار تومان، مرورًا بـ"معهد الثقافة والفكر الإسلامي" بـ144 مليار تومان، و"مجلس سياسات أئمة الجمعة" بـ496 مليار تومان، و"مركز شؤون المساجد" بـ150 مليار تومان، و"هيئة إقامة الصلاة" بـ140 مليار تومان، و"مركز البحوث الحاسوبية للعلوم الإسلامية" بـ191 مليار تومان، و"مركز النموذج الإسلامي–الإيراني للتقدم" بـ46 مليار تومان، وصولًا إلى "الحوزة الفنية" بـ1350 مليار تومان، و"مقر منظمة الدعاية الإسلامية" بـ3700 مليار تومان.
ولا تنتهي القصة عند هذا الحد. فـ"منظمة الدعاية الإسلامية"، إضافةً إلى مجموع 6673 مليار تومان المذكور، تتلقى في جدول آخر 555 مليار تومان، كما يحصل "مجلس سياسات أئمة الجمعة"، إلى جانب 496 مليار تومان، على حصة منفصلة قدرها 202 مليار تومان في الجدول نفسه.
وحتى "هيئة مقاتلي الإسلام"، وهي من المؤسسات التابعة لـ"منظمة الدعاية الإسلامية"، خُصص لها بند مستقل بقيمة 15 مليار تومان.
ويبلغ مجموع الأرقام الواردة لمنظمة الدعاية الإسلامية ومؤسساتها التابعة في جداول الموازنة المختلفة 7876 مليار تومان. هذا التشظي والتداخل في بنود الموازنة يقضي عمليًا على الشفافية ويجعل الرقابة الحقيقية مستحيلة.
وقد خُصصت كل هذه المبالغ في وقت تواجه فيه إيران أزمات بيئية عميقة، في حين لم تُحدَّد موازنة منظمة حماية البيئة سوى بـ9379 مليار تومان؛ أي ما يقارب نصف موازنة "مركز خدمات الحوزات العلمية".
وهذه المقارنة وحدها كاشفة لأولويات السلطة: لا الماء، ولا الأرض، ولا الهواء، ولا صحة الأجيال المقبلة، بل تثبيت وإعادة إنتاج البنية الأيديولوجية.
وفي الإطار نفسه، خصصت حكومة بزشکیان مبلغ 1863 مليار تومان لـ"جامعة المصطفى العالمية"، وهي مركز لتعليم طلاب أجانب بهدف الترويج للتشيع في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية وأوروبا ومناطق أخرى من العالم.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع واسع من المواطنين داخل البلاد من الفقر والبطالة وتفكك الخدمات العامة.
وتُقرّ هذه الموازنات التي تتراوح بين عشرات ومئات وآلاف المليارات، في حين تبرر الحكومة عدم الزيادة الملموسة في رواتب الموظفين والمتقاعدين بذريعة كبح التضخم.
والسؤال الجوهري هو: كيف لا تُصنَّف هذه المستويات من الإنفاق على المؤسسات الأيديولوجية على أنها "مولِّدة للتضخم"، بينما تُوسَم حتى الزيادات المحدودة في رواتب المواطنين بالصفة نفسها؟
الإجابة لا تكمن في الاقتصاد، بل في السياسة. فالمال موجود، لكن ليس من أجل الوبحسب مشروع الموازنة نفسه، فإن 87 في المئة من إيرادات الدولة في العام المقبل ستأتي من الضرائب. أي أن الدولة تأخذ المال من المواطنين لتمنحه لمؤسسات يكون عملها، على سبيل المثال، الترويج للتشيع في شرق آسيا والقارة الأفريقية.
ويُذكر أن الأرقام الواردة في مشروع الموازنة هي مقترحات حكومية، وتُظهر تجارب السنوات الماضية أن هذه المبالغ غالبًا ما تزداد خلال عملية المراجعة في البرلمان الإيراني؛ وهو ما يضاعف الحاجة إلى إعادة التدقيق فيها بعد إقرارها.
وكان جلال رشيدي كوتشي، النائب السابق في البرلمان، قد قال سابقًا إن الحكومة لا تملك الجرأة على حذف موازنات المؤسسات عديمة المخرجات.
كما شدد محمد قلي يوسفي، عضو الهيئة التدريسية في جامعة طباطبائي، في 16 ديسمبر، على أنه ما دامت بعض المؤسسات لا تُغلق بالكامل، فلن يكون أحد قادرًا على قطع موازناتها.
ومع ذلك، كتب المتحدث باسم الحكومة في 27 ديسمبر في صحيفة "إيران": "لقد جرى إعداد مشروع موازنة 1405 بواقعية وانضباط مالي، مع إعطاء الأولوية لحياة المواطنين".
غير أن هذه العبارة، في مواجهة الأرقام وبنود الموازنة، تبدو أقرب إلى ادعاء بلا سند منها إلى تفسير حقيقي.