وبحسب الدعوات التي أطلقها ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، تتزايد التوقعات بشأن تغيير القيادة والنظام الإيراني بشكل جذري.
وأشارت "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" إلى أن الاحتجاجات الواسعة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة جمعت لأول مرة منذ ثورة 1979، شرائح متنوعة من المجتمع: من التجار المقربين من الحكومة والفقراء الريفيين المحافظين، إلى الطبقة الوسطى الحضرية والمثقفين والعالميين.
وقد تحولت الاحتجاجات الشاملة، التي اندلعت بعد الانهيار الكبير لقيمة العملة، إثر حرب الـ 12 يومًا بين إيران وإسرائيل، وتدخل الولايات المتحدة في شهر يونيو (حزيران) الماضي، إلى مركز للتعبير عن الغضب العام تجاه الفساد، وسوء الإدارة الاقتصادية، والفشل في السياسات الخارجية تحت قيادة المرشد علي خامنئي (86 عامًا).
ويشير المحللون إلى أن هذه الاحتجاجات يغذيها شعور عميق بعدم العدالة الاجتماعية، الناتج عن الفجوة المتزايدة بين الإيرانيين العاديين، الذين يكافحون من أجل البقاء، والنخب الحاكمة التي تتمتع بامتيازات خاصة.
وفي الوقت نفسه، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال"، في افتتاحية لها، أن دعوة ولي العهد السابق، رضا بهلوي، للتجمعات الشاملة أدت إلى واحدة من أوسع موجات الاحتجاجات في السنوات الأخيرة؛ حيث شهدت المدن الكبرى في إيران، بما فيها طهران ومشهد، حضورًا كثيفًا للمتظاهرين في الشوارع.
وجاء في افتتاحية الصحيفة الأميركية، يوم السبت 10 يناير (كانون الثاني)، أن بهلوي خاطر سياسيًا كبيرًا بدعوته من المنفى، لأنه إذا لم يجد دعمًا واسعًا، كان سيُساء تقدير مكانته السياسية.
ولكن حسب وول ستريت جورنال، استجاب الإيرانيون لهذه الدعوة، وتسارعت موجة الاحتجاجات بعد ذلك.
وحذر فرزان ثابت، الباحث الأول في مركز الحوكمة العالمية في جنيف، قبل بدء الاحتجاجات، من أن «الوضع في إيران حاد للغاية». وكتب في ملاحظة على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد يوم واحد من بدء الاحتجاجات: «الأحداث المتوقعة قد تهيئ الظروف لتدخل خارجي، عمل عسكري، انقسامات داخل النخب، وتصاعد الاحتجاجات».
ويعتقد ثابت أن آفاق التغييرات الهيكلية وصلت الآن إلى «أعلى مستوياتها منذ العقد الأول للثورة والحرب، وما زالت تتصاعد».
كما رأى مؤسس المنتدى الأوروبي الإيراني في لندن، اسفنديار باتمان قلیج، أن «تقدمًا نحو نوع من التغيير السياسي الجذري في إيران يتشكل الآن».
القمع وتصاعد الأزمة
تعتبر الاحتجاجات الواسعة الحالية ثالث موجة كبيرة من الاحتجاجات المناهضة للنظام منذ عام 2019. وكان المراقبون يتوقعون أن تلجأ السلطات مرة أخرى إلى الاعتقالات واستخدام القوة، وهو ما وصفه المرشد علي خامنئي ومسؤولون آخرون في النظام بأنه رد على «أعمال شغب منظمة من قِبل العدو».
لكن القمع العنيف من قِبل الحرس الثوري أو قوات الباسيج قد يؤدي إلى تدخل عسكري خارجي، وهو ما هدد به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في حال سفك دماء المدنيين.
وأشارت "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" إلى أن حكومة الرئيس الإيراني، مسعود بزشکیان، لا تزال تعمل تحت قيود شديدة، بسبب عودة العقوبات الدولية وسيطرة خامنئي الكاملة على القرارات السياسية الأساسية.
وفي مواجهة العجز المتزايد في الميزانية وانخفاض أسعار النفط، جاء مشروع ميزانية الحكومة متأخرًا بعد تنفيذ إصلاحات هيكلية، منها توحيد سعر الريال الرسمي مع سعر السوق الحر، وإلغاء نحو 10 مليارات دولار من الإعانات غير الشفافة لمستوردي ومنتجي سلع محددة.
وقُلدت أيضًا دعم الخبز وتم ربط أسعار المنتجات النفطية المستوردة بسعر السوق، في محاولة لتثبيت الاقتصاد.
لكن هذه الإجراءات حوّلت الضغط المالي بشكل رئيس إلى الأسر الإيرانية.
ويتوقع الاقتصاديون أن معدل التضخم سيتجاوز الرقم الرسمي 52 في المائة الذي أعلن في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على الرغم من محاولة الحكومة التخفيف عبر دفع إعانة شهرية مقدارها 7 دولارات لكل شخص، وهو مبلغ لا يمثل سوى جزء يسير من الحد الأدنى للأجور الشهري البالغ 105 دولارات.
وقالت المحللة المخضرمة لشؤون إيران في مركز ستيمسون بواشنطن، باربارا سلافين، إن التضخم في إيران أصبح غير محتمل، مضيفة: «في النهاية، يجب أن ينكسر هذا الوضع في مكان ما».
الانقسامات في رأس السلطة والسيناريوهات المستقبلية
يزداد عدم الاستقرار الداخلي في النظام الإيراني. إذ أدت وفاة إبراهيم رئيسي، الرئيس السابق والخليفة المحتمل لخامنئي، في حادث سقوط مروحية، إلى تصاعد الصراعات داخل الحكومة، حيث إن «خامنئي أصبح هدفًا متزايدًا للنقد من قبل المطالبين بالخلافة، بما في ذلك الرئيس الإصلاحي الأسبق، حسن روحاني، والرئيس الشعبوي الأسبق، محمود أحمدي نجاد، بسبب إخفاقات النظام المتعددة».
ويشير النقاد إلى الأزمة الاقتصادية، والقمع السياسي، والعجز الواضح لإيران في مواجهة الهجمات الإسرائيلية والأميركية خلال حرب الـ 12 يومًا، التي قضت على كبار القادة العسكريين وأعاقت برنامج التخصيب النووي عمليًا.
ويرى بعض المحللين أن الضغط المتزامن من الشارع والنخب دفع النظام الإيراني إلى نقطة ضعف حرجة.
وقال الرئيس السابق لقسم بحوث إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، دينيس سيترينوفيتش، في تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي: «كلما طال أمد هذه الأزمة واشتدت، زادت احتمالية حدوث تغييرات دراماتيكية داخل النظام الإيراني».
وأشار محلل الشؤون الإيرانية، علي الفونه، إلى نموذج فنزويلا، حيث يمكن تغيير القيادة دون انهيار كامل للنظام. ووفقًا له، قد يحدث ذلك عندما تقرر القيادة الجماعية في إيران- بمن في ذلك رؤساء السلطات التنفيذية، القضائية، التشريعية، والأجهزة الأمنية- التضحية بخامنئي والتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.
ويرى سيترينوفيتش أن الحرس الثوري «يميل أكثر» إلى الحفاظ على رئاسة مدنية ضمن القيادة الجماعية بدلاً من السيطرة المباشرة على السلطة، وهو مسار قد يؤدي إلى تخفيف العقوبات، وعودة الاستثمارات الغربية، استقرار الاقتصاد، وبقاء النظام في النهاية».
لكن سلافين ترى أن إيران بحاجة إلى انتقال ديمقراطي حقيقي عبر استفتاء دستوري وإنهاء الحكم الديني.