رصاص النظام يحصد الأرواح.. مقتل ما لا يقل عن 46 متظاهرًا بينهم 8 أطفال في احتجاجات إيران

بالتزامن مع تصاعد حدّة الانتفاضة الوطنية للإيرانيين ضد النظام، تتوالى التقارير عن إطلاق نار مباشر على المواطنين، وارتفاع عدد القتلى خلال هذه الاحتجاجات.

بالتزامن مع تصاعد حدّة الانتفاضة الوطنية للإيرانيين ضد النظام، تتوالى التقارير عن إطلاق نار مباشر على المواطنين، وارتفاع عدد القتلى خلال هذه الاحتجاجات.
وبحسب الإحصاءات والتقارير، التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال" حتى مساء الخميس 8 يناير (كانون الثاني)، فقد قُتل ما لا يقل عن 46 متظاهرًا في شوارع إيران على أيدي قوات القمع الأمني.
وقد تمكّنت "إيران إنترناشيونال" من التحقق من صحة جزء من هذه الأرقام، فيما لا يزال التحقق من بقية الحالات جارياً.
فعلى سبيل المثال، أكدت "إيران إنترناشيونال" مقتل سعيد توكليان، أحد المتظاهرين الذين لقوا حتفهم في شيراز، برصاص قوات الأمن.
وكانت السلطات قد حاولت وصفه بأنه "باسيجي"، إلا أن هذا المتظاهر أُصيب برصاصة في العنق أطلقتها قوات القمع.
وتُظهر تحقيقات "إيران إنترناشيونال" أن عشرات المتظاهرين الآخرين أُصيبوا أيضاً بجروح نتيجة إطلاق الرصاص الحي وطلقات الخرطوش من قِبل قوات الأمن التابعة للنظام الإيراني.
منظمة حقوق الإنسان في إيران: مقتل 45 متظاهرًا على الأقل
بالتوازي، أعلنت منظمات حقوقية مختلفة إحصاءاتها وتقاريرها حول عدد الضحايا.
وأفادت منظمة حقوق الإنسان في إيران، مساء الخميس 8 يناير، بأنه منذ بدء الاحتجاجات قُتل ما لا يقل عن 45 متظاهرًا، بينهم 8 أطفال، إضافة إلى إصابة مئات آخرين بجروح.
ووفقاً لتقرير المنظمة، فقد قُتل 13 متظاهرًا يوم الأربعاء 7 يناير.
كما ذكرت المنظمة أن القوات الحكومية استخدمت الأسلحة الحربية في مواجهتها مع المحتجين، وأقدمت كذلك على اعتقالات واسعة وجماعية في عدد من المدن.
وقدّرت المنظمة عدد المعتقلين في الاحتجاجات الأخيرة بأكثر من ألفي شخص.
وقال مدير منظمة حقوق الإنسان في إيران، محمود أميري مقدم: "تشير الأدلة إلى أن نطاق قمع المحتجين يزداد يومًا بعد يوم من حيث العنف والاتساع. وتقع على عاتق الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مسؤولية اتخاذ ردّ حازم، ضمن إطار القوانين الدولية، لمنع وقوع مجازر واسعة بحق المتظاهرين".
احتمال ارتفاع عدد القتلى
تزداد احتمالات ارتفاع عدد الضحايا، لا سيما مساء يوم الخميس، بالتزامن مع استجابة المواطنين لدعوة ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، إذ تفيد التقارير بسماع أصوات إطلاق نار في مناطق مختلفة من البلاد.
وبحسب مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، أقدمت قوات القمع التابعة للنظام الإيراني على إطلاق النار على المتظاهرين في منطقة نازي آباد بطهران.
كما أفاد أحد المتابعين من دهدشت لـ "إيران إنترناشيونال" بأن القوات الأمنية أطلقت الرصاص الحي وطلقات الخرطوش على المتظاهرين في الساحة الرئيسة للمدينة، إضافة إلى استخدام الغاز المسيل للدموع.
وقال متابع آخر من سمنان: "عند الساعة الثامنة مساءً، قُطع التيار الكهربائي عن المدينة، وسُمعت أصوات إطلاق نار".
وتُظهر مقاطع فيديو، وصلت إلى "إيران إنترناشيونال"، إلى أن عناصر حكومية اشتبكوا مع مواطنين خرجوا للاحتجاج أمام مباني المحافظات والمقار السياسية للحكومة في عدد من المناطق.
وبحسب هذه التقارير، هاجمت القوات الحكومية المتظاهرين في دامغان، وتاكستان، وكرمانشاه، وآشخانه ومدن أخرى.
كما أعلنت منظمة حقوق الإنسان في إيران، مساء الخميس، عبر نشر مقطع فيديو، إطلاق قوات الأمن النار على متظاهرين في مدينة كازرون.


نشر موقع "ديلي واير" الأميركي مقالاً تحليليًا تساءل فيه عن إمكانية مواجهة إيران لحظة "غورباتشوف" الخاصة بها، على غرار انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وسط موجة الاحتجاجات الواسعة الحالية وانشقاقات محتملة داخل الأجهزة الأمنية.
وذكرت كاتبة المقال، بريندا شافر، أن إيران تشهد منذ الأسبوع الماضي موجة واسعة من الاحتجاجات المناهضة للنظام، أعادت إلى الأذهان لحظات مفصلية في التاريخ السياسي الحديث، أبرزها انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، الذي جاء على عكس التوقعات رغم وجود مؤشرات مبكرة على تفككه. ويطرح هذا المشهد تساؤلاً جوهريًا: هل تواجه إيران اليوم لحظة "غورباتشوف" الخاصة بها؟
وأضافت الكاتبة أنه رغم غموض توقيت أي تحول جذري محتمل في إيران، يرى مراقبون أن على الولايات المتحدة وحلفائها الاستعداد لسيناريو انهيار النظام أو فقدانه السيطرة المركزية، عبر وضع خطط لتأمين اليورانيوم المخصب، والمواد النووية، ومخزونات الأسلحة الكيميائية وغيرها من الترسانات الحساسة.
وتشير التجربة السوفياتية إلى أهمية الإجراءات الاستباقية؛ فمع تصاعد الاضطرابات، بادر ميخائيل غورباتشوف إلى نقل الصواريخ النووية قصيرة المدى من أطراف الاتحاد إلى المركز الروسي. وعلى النقيض، لا يُظهر قادة النظام الإيراني مستوى مماثلاً من الحذر، ما يثير مخاوف من فقدان السيطرة على مواد استراتيجية شديدة الخطورة.
ويؤكد التاريخ أن مصير الأنظمة في أوقات الأزمات لا تحسمه القوة وحدها. ففي حين تمكنت بعض الأنظمة من الصمود عبر القمع، كما في الصين عام 1989، أدى العنف في حالات أخرى إلى تسريع السقوط، كما حدث في رومانيا مع نيكولاي تشاوشيسكو. غير أن العامل الأكثر ثباتًا في تحديد قدرة أي نظام على البقاء يبقى ولاء الأجهزة الأمنية.
ففي لحظات التحول الكبرى، كان موقف الجيش وقوى الأمن حاسمًا، كما في روسيا عام 1991 أو جورجيا خلال "ثورة الورود" عام 2003، حين رفضت القوات إطلاق النار على المحتجين. وفي إيران، تفيد تقارير بوقوع انشقاقات داخلية في صفوف الأجهزة الأمنية ودوائر النظام، وإن كانت لا تزال سرية، لكنها تُعد أكثر خطورة من الانشقاقات العلنية، لما توفره من قدرة على التخريب من الداخل.
ويحاول النظام الإيراني مواجهة هذه التحديات عبر التصعيد الأمني؛ إذ اعتُقل أكثر من 21 ألف معارض منذ المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل، بينما سجل عام 2025 أعلى معدل إعدامات منذ عام 1989، مع تنفيذ نحو 1500 حكم إعدام، في ظل تصاعد العنف بين قوات النظام والمحتجين.
وفي المقابل، يواجه النظام أزمة متفاقمة في إدارة شؤون البلاد، إذ تعاني إيران أسوأ أزمة مياه منذ خمسين عامًا، إضافة إلى نقص حاد في الكهرباء والغاز والوقود، ما دفع السلطات إلى إغلاق المدارس مرارًا لعجزها عن توفير التدفئة والطاقة.
وتبرز الطبيعة متعددة القوميات لإيران كعامل إضافي في معادلة الاستقرار. فالفرس يشكلون أقل من 40 في المائة من السكان، بينما تتركز الأقليات القومية في المحافظات الحدودية. وحتى الآن، تتركز الاحتجاجات في المناطق ذات الغالبية الفارسية، في حين لم تنخرط الأقليات الكبرى بشكل واسع، وسط مخاوف من استبدال حكم ديني بسلطة مركزية قومية جديدة.
غير أن التاريخ السوفياتي يُظهر أن انخراط الأطراف كان عاملاً حاسمًا في الانهيار. وفي إيران، تشهد بعض المحافظات الحدودية، ولا سيما بلوشستان، تصعيدًا أمنيًا خطيرًا، مع مقتل عناصر من الشرطة والحرس الثوري، في بيئة تسمح بمحاسبة مباشرة لعناصر الأجهزة الأمنية في المدن الصغيرة.
ويحذر مراقبون من أن الفوضى في إيران قد تندلع سريعًا دون إنذار، على غرار ما حدث في العراق وليبيا، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي في حال فقدان السيطرة على الترسانات غير التقليدية. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى خطة دولية واضحة للتعامل مع أي سيناريو محتمل.

ذكرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" أنه مع اتساع الاحتجاجات في جميع أنحاء إيران وتصاعد تهديدات دونالد ترامب بعد العملية الأميركية في فنزويلا، دخل قادة نظام طهران في حالة تأهب سياسي وأمني مع قلق متزايد من احتمال التدخل الخارجي.
ووفقاً لتقرير "لوس أنجلوس تايمز"، فقد أدى الانهيار الاقتصادي والانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية الإيرانية، في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلى موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للنظام في 27 محافظة بالبلاد؛ وهي احتجاجات خلّفت وفق التقارير ما لا يقل عن 36 قتيلاً، وامتد نطاقها حتى إلى مناطق تُعتبر تقليدياً معاقل مؤيدة للنظام.
وأضاف التقرير أن تطورات إيران تأتي في وقت جعلت تهديدات ترامب تجاه طهران، بعد العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا وعزل نيكولاس مادورو، المناخ السياسي والأمني للمنطقة أكثر التهاباً.
وكتبت "لوس أنجلوس تايمز" أن ترامب حذر قبل يوم من هذه العملية بأنه إذا أطلق مسؤولو إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلوهم، فإن الولايات المتحدة "مسلحة ومستعدة". كما أكد مرة أخرى، يوم الثلاثاء 5 يناير (كانون الثاني) أن إيران ستتلقى "ضربة قاسية جداً" من الولايات المتحدة في حالة مقتل المتظاهرين.
وأعاد مسؤول في البيت الأبيض، تأكيد موقف الولايات المتحدة من الانتفاضة الوطنية الإيرانية، وقال في تصريح لـ "إيران إنترناشيونال"، يوم الأربعاء 7 يناير، إن الرئيس الأميركي صرّح بوضوح بأنه إذا أطلق النظام الإيراني النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم بعنف، كما هي عادتهم دائماً، فسوف "يتلقون ضربة قوية".
ووفقاً لتقرير "لوس أنجلوس تايمز"، فقد ربط عدد من المسؤولين الأميركيين وحلفاء ترامب صراحةً بين مصير مادورو والوضع في إيران. فقد ذكر السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، في تصريحات أشارت إليها "لوس أنجلوس تايمز"، بأنه يجب على "الملالي ومَن حوله" أن يصدقوا أن تهديدات ترامب جادة، وأن استمرار قمع الشعب الإيراني "سوف ينقلب على النظام نفسه".
وداخل إيران، كانت ردود فعل المسؤولين العسكريين والسياسيين حادة أيضاً. وكتبت الصحيفة أن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإيراني حذر من احتمال ضربة استباقية، وأعلن أن طهران لن تترك تصعيد الخطاب التهديدي دون رد. كما أكد مجلس الدفاع الوطني أن أمن واستقلال وسلامة أراضي إيران "خطوط حمراء غير قابلة للانتهاك"، وأن أي تهديد قد يواجه رداً "حاسماً ومناسباً".
وأفادت "لوس أنجلوس تايمز" في الوقت نفسه بأنه خلافاً لفترات الاضطرابات السابقة، امتنع النظام الإيراني حتى الآن عن استخدام القوة القصوى ضد المتظاهرين. ويقول المحللون إن هذا الحذر قد ينبع من قلق طهران تجاه رد فعل محتمل من إدارة ترامب؛ والذي لم يعد يُعتبر مجرد تهديد لفظي بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، وكذلك العملية الأخيرة في فنزويلا.
وأضاف التقرير أن مجموعة من الأزمات- بدءاً من ضغوط العقوبات وسوء الإدارة الاقتصادية وصولاً إلى إضعاف ما يسمى "محور المقاومة" وفقدان حلفاء مثل فنزويلا- جعلت وضع النظام في إيران أكثر هشاشة من ذي قبل. ومع ذلك، فإنه وفقاً لتقييم الخبراء، الذين تحدثت معهم "لوس أنجلوس تايمز"، لا يزال الهيكل الأمني للنظام الإيراني، خاصة الحرس الثوري، القوة المنظمة الأكثر تماسكاً في البلاد، ويبدو احتمال تغيير النظام فورياً أو تغيير سلوكه جذرياً، حتى مع زيادة الضغط الخارجي، ضئيلاً.
وكتبت الصحيفة أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا في الوقت نفسه أنهم لا ينوون التفاوض مع واشنطن؛ وهو موقف يظهر أن طهران تواجه معضلة صعبة: تصعيد المواجهة مع أميركا بتكاليف باهظة، أو مواصلة إدارة الأزمة الداخلية في ظل ظروف يبدو فيها تهديد التدخل الخارجي أكثر جدية من أي وقت مضى.

ذكرت مجلة "تايم" أن الاحتجاجات الواسعة في إيران التي اندلعت إثر أزمة اقتصادية تواصلت لأكثر من عشرة أيام، وواجه النظام الإيراني مع تهديد دونالد ترامب بتدخل أميركي محتمل أحد أكثر المراحل الأمنية والسياسية تعقيدًا في السنوات الأخيرة.
ووفقًا للمجلة الأميركية، فقد خلفت الاحتجاجات في إيران حتى الآن ما لا يقل عن 36 قتيلاً، لتصبح أكثر الاضطرابات استمرارًا خلال السنوات الثلاث الماضية. واستنادًا لتقارير جماعات حقوق الإنسان، يظهر بين الضحايا أربعة أطفال واثنان على الأقل من أفراد قوات الأمن، كما اعتقل المئات خلال قمع الاحتجاجات.
ونقلت تايم عن وكالة "هرانا" الإخبارية أن نطاق الاحتجاجات توسع الأسبوع الماضي لأكثر من 200 موقع في 26 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية، وقد تم توثيق أكثر من ألفي اعتقال حتى الآن. ولم تعلن السلطات الإيرانية بعد أرقامًا رسمية شاملة عن الخسائر والاعتقالات.
ويرى التقرير جذور الاحتجاجات في الضغوط الاقتصادية المتزايدة، بما فيها العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وعواقب الحرب التي استمرت 12 يومًا الصيف الماضي مع إسرائيل والولايات المتحدة، حيث هاجمت القوات الأميركية منشآت نووية إيرانية حساسة. وكتبت "تايم" أن انهيار قيمة العملة التي وصلت إلى نحو 1.4 مليون تومان للدولار أحدث تضخمًا حادًا صعّب على الكثير من المواطنين الوصول للسلع الأساسية؛ وهي أزمة تفاقمت بسبب الفساد وسوء الإدارة المزمنين.
وعلى الصعيد الدولي، أشارت "تايم" إلى تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي حذر الأسبوع الماضي من أنه إذا قامت إيران "بقتل المتظاهرين السلميين بعنف"، فإن الولايات المتحدة "ستأتي لمساعدتهم"، مؤكدًا أن أميركا "مسلحة ومستعدة". وأضافت "تايم" أن هذه التهديدات أضافت بُعدًا جديدًا ومحفوفًا بالمخاطر للاحتجاجات الداخلية الإيرانية.
وقد تصاعدت ردود فعل مسؤولي النظام الإيراني أيضًا. فقد أعلن رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إيجئي، أنه "لن يكون هناك أي تساهل" مع الأشخاص الذين يتعاونون مع من سماهم "الأعداء"، ووصف الاحتجاجات بأنها جزء من حملة بدعم خارجي.
وفي الوقت نفسه، حذر رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإيراني من أن طهران "لن تترك تصعيد الخطاب التهديدي ضد إيران دون رد"؛ وهو موقف قيّمه المراقبون بأنه رسالة مباشرة لواشنطن. كما مهد المرشد الإيراني، علي خامنئي الطريق فعليًا لتصعيد الإجراءات الأمنية بقوله إن "المُشاغبين يجب أن يوضع لهم حد".
وكتبت "تايم" أن الاحتجاجات الحالية، التي بدأت من السوق الكبير في طهران ردًا على انهيار قيمة العملة الوطنية، تجاوزت بسرعة المطالبات الاقتصادية واتخذت طابعًا سياسيًا.
وتظهر تقارير من وسائل التواصل الاجتماعي استمرار المظاهرات من طهران إلى مدن المحافظات المختلفة والجامعات. في المحافظات الغربية مثل إيلام وكرمانشاه ولرستان وهمدان، سُجلت أعنف الاشتباكات، وتحولت مراسم دفن الضحايا مرة أخرى لبؤرة للتوتر.
وردًا على ذلك، اتخذ النظام الإيراني مزيجًا من التنازلات الاقتصادية المحدودة واستخدام القوة. وكتبت "تايم" أن الحكومة أعلنت عن إعانة شهرية تبلغ حوالي سبعة دولارات لكل أسرة لتأمين المواد الغذائية، لكن الخبراء يعتقدون أن مثل هذه الإجراءات وحدها غير قادرة على احتواء السخط العميق والمتراكم.
ويؤكد التقرير في الختام أن تحذيرات ترامب الجديدة، خاصة في ظل الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي والأحداث الأخيرة في فنزويلا، لم تعد تُعتبر من وجهة نظر طهران مجرد تهديد لفظي. ويقيم المحللون أن إيران تواجه الآن السخط الداخلي واحتمال الضغط أو العمل الخارجي في آنٍ واحد؛ وهو وضع قد يؤثر على مسار تطورات البلاد لسنوات مقبلة.

ذكرت شبكة "فوكس نيوز" أنه مع تصاعد الاحتجاجات في جميع أنحاء إيران وتوسع القمع الأمني، توجه عدد من المحتجين مباشرةً إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، طالبين منه منع قتل المتظاهرين.
وكتبت الشبكة الإخبارية الأميركية، في تقرير نشرته، يوم الأربعاء 7 يناير (كانون الثاني)، أن مقاطع فيديو نُشرت خلال الساعات الأخيرة تُظهر محتجاً في طهران يغيّر اسم شارع بشكل رمزي ليصبح باسم ترامب، وفي لقطات أخرى تظهر كتابات يدوية تحمل عبارات مثل "لا تسمحوا بقتلنا".
ووفقاً للتقرير، تظهر هذه الرسائل في وقت وسعت فيه قوات الأمن التابعة للنظام الإيراني نطاق عملياتها، واستخدمت الغاز المسيل للدموع ونشرت قوات مسلحة بالقرب من مراكز مدنية مهمة في طهران.
وأضاف التقرير أن وجود القوات الأمنية حول المستشفيات ومراكز التسوق والنقاط الحيوية في المدينة قد زاد، وتصاعدت المواجهات مع المحتجين.
وأشارت "فوكس نيوز" إلى ردود الفعل خارج إيران، حيث وصف ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، المعارض للنظام، الاضطرابات الحالية بأنها "فرصة تاريخية" لإنهاء حكم نظام خامنئي.
وقال في مقابلة تلفزيونية إن السنوات الماضية لم تشهد ظروفاً مماثلة للوضع الحالي في إيران، ومستوى الاحتجاجات من حيث النطاق والشدة غير مسبوق.
وبحسب قول رضا بهلوي، فقد امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 100 مدينة، والتطورات في أسواق إيران، خاصة السوق الكبير في طهران، تشير إلى تغيير مهم في التوازن الاجتماعي.
وتحدث أيضاً عن زيادة حالات الانشقاق في جسد النظام، مؤكداً أنه في طريقه نحو الانهيار.
وأشارت "فوكس نيوز" أيضاً إلى تقارير نُشرت عن خسائر بشرية، وكتبت أنه وفقاً لإعلان مؤسسات حقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 34 محتجاً منذ بداية الاحتجاجات، وتجاوز عدد المعتقلين ألفي شخص.
ولم تقدم سلطات النظام الإيراني حتى الآن أرقاماً رسمية ومحدثة عن القتلى والمعتقلين.
وأضافت الشبكة أن مقاطع فيديو جديدة من مدن إيرانية مختلفة، بما فيها شيراز وقزوين، تظهر استمرار المحتجين في الاحتجاج بإشعال النيران في الشوارع وهتاف شعارات ضد المرشد الإيراني، علي خامنئي.
وفي بعض المدن، سُمعت شعارات موجهة لقوات الشرطة تطالبهم بالانضمام للشعب.
وكتبت "فوكس نيوز" في الختام أنه بجانب الاحتجاجات في الشوارع، تظهر علامات على العصيان المدني والإضراب؛ بما في ذلك تقارير عن إضراب عمال في مصفاة غاز بارس الجنوبي وإغلاق واسع للمحلات في أسواق طهران وتبريز.
وأكدت الشبكة أن استمرار الاحتجاجات وزيادة الضغوط الأمنية دخلت بإيران مرحلة جديدة ومتوترة.

كتب المدير التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، مارك دوبوويتز، وكبير محللي هذا المركز البحثي، بن كوهين، مقالاً أشارا فيه إلى الاحتجاجات في إيران، وكتبا أن نظام خامنئي بات أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وعلى واشنطن تجاوز سياسة الضغط الأقصى ودعم جهود المحتجين لإسقاط هذا النظام.
وأكد الكاتبان في هذا المقال، الذي نُشر يوم الأربعاء 7 يناير (كانون الثاني)، أن إيران تشهد مجددًا موجة من الاحتجاجات الواسعة، ويبدو هذه المرة أن ركائز سلطة الملالي تتداعى بشكل جدي.
وجاء في المقال أن نهاية القمع، والشمولية، ودور النظام الإيراني في الإرهاب العالمي قد باتت أكثر قابلية للتصور من أي وقت مضى.
وبحسب قول دوبوويتز وكوهين، فإن مهمة الولايات المتحدة اليوم لا تقتصر على مواصلة سياسة "الضغط الأقصى" ضد نظام طهران. فقد حان الوقت لاستكمال هذا الضغط باستراتيجية صريحة وعلنية: إضعاف مشلّ للنظام الإيراني من خلال "الدعم الأقصى" للإيرانيين الذين يسعون بعزم راسخ إلى إسقاطه.
وعندما أعاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في فبراير (شباط) 2025 تطبيق سياسة الضغط الأقصى والعقوبات ضد النظام الإيراني، كان يسعى إلى تحقيق الأهداف التالية: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتفكيك شبكة القوى الوكيلة، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية.
وقد عزز الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية خلال "حرب الـ 12 يومًا" سياسة ترامب تجاه طهران.
هذا المسار لا يعني تكرار تجربة العراق أو أفغانستان
أكد عضوا مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن المطلوب اليوم هو التزام أميركي واضح بإضعاف قدرة النظام الإيراني على الحكم، مشددين على أن ذلك "لا يعني تكرار تجربة العراق أو أفغانستان، ولا نشر قوات أميركية، ولا الدخول في مشاريع بناء أمة، أو احتلال عسكري".
إن تغيير النظام في إيران لن يحدث عبر تحرك الجيش الأميركي نحو طهران؛ بل سيتحقق من الشوارع وعلى أيدي الإيرانيين أنفسهم، بدعم من قوة الولايات المتحدة وإجراءات إسرائيل التي تشل بشكل مباشر آلة القمع الحكومية.
لقد أعلن الشعب الإيراني خياره بوضوح في السابق. فهذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات، التي تُعد امتدادًا لانتفاضات بدأت منذ عام 2009 (الحركة الخضراء)، لا تترك أي لبس بشأن مطالب الإيرانيين.
وفي الوقت نفسه، فإن موقف ترامب واضح أيضًا؛ إذ حذّر قادة النظام الإيراني من أنه إذا لجأ النظام مجددًا إلى القتل الجماعي، فإن الولايات المتحدة "مستعدة للتحرك".
ضرورة "الدعم الأقصى" للشعب الإيراني
حذر دوبوويتز وكوهين، في مقالهما، من أن الشجاعة وحدها لا تكفي لهزيمة ديكتاتورية شديدة التسليح، وأن الديكتاتوريين يقتلون الإيرانيين ويسجنونهم ويعذبونهم بالفعل.
وأضافا أنه في حال عدم توفير الدعم الكافي للمتظاهرين، فإن الشجاعة ستتحطم أمام الرصاص والسجون وغرف التعذيب.
وهنا، يمكن لإعلان سياسة صريحة من جانب الولايات المتحدة وتنفيذها بشكل مشترك مع إسرائيل أن يلعب دورًا حاسمًا.
ففي إطار "الدعم الأقصى"، يجب على واشنطن أن تدعم علنًا العمليات العسكرية والسرية الإسرائيلية، وأن تستخدم قدراتها السيبرانية والاستخبارية لإضعاف بنية القمع في النظام الإيراني؛ من الحرس الثوري وقوات الأمن الداخلي، إلى الأجهزة الاستخبارية وأنظمة القيادة والسيطرة التي تشكل أعمدة بقاء "نظام الملالي".
والهدف الأساسي هو تعطيل آلة القمع التابعة للنظام الإيراني؛ أي تمهيد الطريق أمام مواطنين غير مسلحين يواجهون نظامًا مسلحًا.
وفي الوقت ذاته، ينبغي على الولايات المتحدة زيادة دعمها غير العسكري، بما في ذلك توفير اتصالات آمنة، وتمويل الإضرابات العمالية، والمساعدة في تنظيم المتظاهرين والحفاظ على زخم الاحتجاجات.
كما يمكن للعمليات السيبرانية عرقلة التنسيق والانسجام داخل النظام الإيراني.
ويمكن للضغط النفسي وحملات الاختراق الرقمي أن تزعزع ولاء النخب. كما أن الحوافز قد تؤدي إلى انشقاقات وتصدعات داخل النظام. أما شبكات الدعم التابعة للنظام، سواء في الداخل أو الخارج، فهي قابلة للانهيار.
ويُعد توفير الاتصالات الآمنة للمتظاهرين أمرًا حيويًا، ولتحقيق ذلك يجب على واشنطن تحييد رد الفعل المعتاد للنظام الإيراني، أي قطع الإنترنت.
وينبغي على الحكومة الأميركية توسيع نطاق الوصول إلى برامج "VPN" المجانية لفك الحجب، والتعاون مع شركات خاصة، من بينها "ستارلينك"، للحفاظ على تواصل الإيرانيين. فمن دون القدرة على التواصل، لا يمكن التعبئة ولا التنظيم.
لا تفاوض مع النظام الإيراني ولا تراجع
وأكد دوبوويتز وكوهين، في مقالهما، أن المعارضة للنظام باتت اليوم تشمل جميع طبقات المجتمع الإيراني، وأن النقابات العمالية دخلت في إضرابات.
كما انضمت الطبقة التجارية إلى هذا الحراك، إلى حد أن بازار طهران الكبير، الذي كان يُعد يومًا أحد أعمدة دعم النظام الإيراني، أُغلق خلال الاحتجاجات الأخيرة.
ولا تزال النساء الإيرانيات في الصفوف الأمامية، من خلال تحدي الحجاب الإجباري وإحياء روح حركة "المرأة، الحياة، الحرية".
ويمكن للدعم الأقصى الأميركي أن يمنع هذه الحركات من الانهيار تحت ضغط الخوف والإرهاق والعنف القمعي.
كما ينبغي على الولايات المتحدة تكثيف الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية. ويتعين على حلفاء أميركا إدراج الحرس الثوري الإيراني على لوائح التنظيمات الإرهابية وقطع علاقاتهم الدبلوماسية مع طهران أو خفضها إلى أدنى مستوى.
ويجب أن يواجه مسؤولو النظام على جميع المستويات عقوبات مستهدفة وتجميدًا للأصول، كما ينبغي استخدام الأصول المجمّدة للنظام الإيراني في الخارج لتمويل صناديق الإضرابات العمالية.
وعلى ترامب أن يتجنب أمرًا واحدًا: التراجع أو تكرار المحاولات الفاشلة للتفاوض مع نظام يرى في الحوار أداة لشراء الوقت.
فالفرص مثل الاحتجاجات الأخيرة نادرًا ما تتاح، وربما مرة واحدة فقط في كل جيل. ومنذ عام 1979، لم يكن النظام الإيراني يومًا بهذا القدر من الضعف. وبعد ما يقرب من نصف قرن من الظلام الناتج عن الحكم الديني، فتح التاريخ نافذة. وعلى ترامب أن يساعد في فتح هذه النافذة على مصراعيها.